وهذا مَحْصورٌ على المشركِ، حتى لو أَوْصى بهِ لم تُقْبَلْ وصيتُه.
163 - (9) قوله عَزَّ وجَلَّ: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 18] .
قد سبقَ الكلامُ على مثل هذهِ الآيةِ في هذهِ السورة، وإنما ذَكَرَ هذهِ الصِّفاتِ للبيانِ والمَدْحِ بها، كذلكَ صفاتُ عبادِه المؤمنين، لا للاشْتِراطِ
والتعليق، وذكرتُ ما فيهِ من الاختلافِ.
وقصدَ اللهُ سبحانَهُ بهذا الردِّ على المشركين افتخارَهُمْ بذلكَ.
ثم قال: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [التوبة: 19] الآية.
قال ابنُ عباسٍ - رضي الله تعالى عنهما - في رواية الوالبي: قالَ العباسُ بنُ عبدِ المُطَّلِبِ حينَ أُسِرَ يومَ بَدْرٍ: لَئِنْ كنتمْ سبقتمونا بالإسلامِ والهجرةِ والجِهاد، لقد كُنّا نَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ، ونَسْقي الحاجَّ، ونَفُكُّ العانِيَ، فأنزلَ اللهُ تعالى هذهِ الآيةَ، يعني: (أجعلتمُ سِقايةَ الحاجِّ) .
فأخبرَ أَنَّ عِمارتَهُمُ المَسْجِدَ، وقيامَهُمْ على السِّقايةِ لا يَنْفَعُهُمْ معَ الشِّرْكِ باللهِ، وأَنَّ الإيمانَ باللهِ والجهادَ معَ نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - خَيْرٌ مِمّا هُمْ عليه.
فإن قيلَ: خَرَّجَ مسلمٌ في"صحيحه"عن النُّعْمانِ بنِ بَشيرٍ - رضيَ اللهُ تعالى عنه - قال: كنتُ عندَ مِنْبَرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فقالَ رَجُلٌ: ما أُبالي أَلَّا أَعْمَلَ عَمَلاً بعدَ الإِسلام إلَّا أَنْ أَسْقِيَ الحاجَّ، وقال آخَرُ: ما أُبالي أَلَّا أَعْمَلَ عَمَلاً بعدَ الإسلامِ إلا أَنْ أَعْمُرَ المَسْجِدَ الحَرامَ، وقال آخَرُ: الجهادُ في سبيلِ اللهِ أَفْضَلُ مِمَّا قلتُمْ، فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ وقالَ: لا تَرْفَعوا أصواتَكُم عندَ مِنْبَرِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وهو يوم الجُمُعَةِ، ولكنْ إذا صليتُ الجمعة، دخلتُ فاستَفْتَيْتُهُ لكم فيما اختلفتُمْ فيه، فأنزلَ اللهُ تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [التوبة: 19] الآية.
وهذا يدلُّ على أنها لم تنزِل رَدًّا على مُشْركيهم، وإنما نزلتْ في المؤمنين.