والحكمُ مستقرٌّ على هذا كما ذَكَرَهُ اللهُ تعالى، حتى قالَ أبو الحَسَنِ الماوَرْدِيُّ من الشافعيةِ: يجبُ عليهمُ الكَفُّ عن قبيحِ القولِ والعَمَلِ في حَقِّ المسلمين، وبذلُ الجميل بينهما، فلو كانوا يكرمونَ المسلمينَ، فَصاروا يُهينونَهم، ويُضيفونهم فصاروا يَقْطَعونَهم، أو يُعَظِّمونَ كتابَ الإمام فصاروا يَسَخِفُّونَ به، أو نَقَضوا عَمَّا كانوا يُخاطبونَهُ به، سألَ الإمامُ عن سببِ فِعْلِهم، فإن أَظْهَروا عُذْراً، قَبلَهُ، وإلَّا أَمَرَهُمْ بالرُّجوعٍ إلى عادَتِهم، فإنْ فَعلوا، ثَبَّتَ عَهْدَهم، وإنِ امْتَنَعوَا، نقضَ عَهْدَهُمْ، وأَعْلمَهُمْ بِنَقْضِه.
* فإن قلت: فان اللهَ سبحانَه إنَّما عَلَّقَ قَتْلَهم على أَمْرَيْنِ: نَكْثِ اليمينِ، والطَّعْنِ في الدينِ، وما عُلِّقَ على أمرين، لا يوجد إلَّا بهما، ولا يوجدُ بأحدهما.
قلنا: لَمَّا قامَ الإجماعُ على أن المُعاهَدَ إذا نَكَثَ اليَمينَ بما عاهَدَ عليه، انتقضَ عهدُه، ولا يحتاجُ إلى اشتراطِ شيءٍ آخر، دَلَّنا على أن الطَّعْنَ في الدينِ بِمُجَرَّدِهِ كافٍ في نقضِ العهدِ؛ كالنَّكْثِ في اليمينِ، وأن التعليق بالأمرينِ على سبيلِ الانفرادِ، لا على سبيلِ الجَمْعِ، وذلكَ شائعٌ في اللسانِ.
* فان قلتَ: فهل ينتقضُ عهدُ الذِّمِّيِّ بما ينتقضُ به عهدُ الحَرْبِيِّ؟
قلنا: عهدُ الحربيِّ أضعفُ من عهدِ الذميِّ، فعقد الذمَّةِ ينتقضُ بالنَّقْضِ، وهلْ ينتقضُ بالطَّعْنِ في ديننا؟ فيه خلافٌ منتشرٌ عندَ الشافعيةِ والمالكيةِ، والصحيحُ عندَ الشافعيةِ عَدَمُ الانتقاضِ، وبه قالَ أبو حَنيفةَ.
162 - (8) قوله عَزَّ وجَلَّ: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ} [التوبة: 17] .
أكثرُ المُفَسِّرينَ حَمَلوا العبارَةَ هنا على دُخولِ المَسْجِدِ الحَرامِ، والقُعودِ فيه، قالَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"إذا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتادُ المَسْجِدَ، فاشْهَدوا لهُ بالإيمان"، وإنَّ الله تعالى قال: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [التوبة: 18] ، فنفى الله تعالى ذلك عنهم.
قال الحَسَنُ: يقول: ما كانَ للمشركين أن يُتْرَكوا فيكونوا أهلَ المسجدِ الحرام.