30 - {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ:} اجتمعت جبابرة قريش (132 و) في دار النّدوة يدبّرون في أمر رسول الله، ودخل معهم إبليس لعنه الله في صورة شيخ نجديّ، ثمّ قالوا فيما بينهم: إنّ محمّدا ليس يزداد بمرّ الأيّام إلاّ اشتهارا وعظم شأن وإنّا نخشى أن نقاسي منه أكثر ممّا قاسينا إلى اليوم، فما الحيلة في تطفية ناره وتجلية غباره؟ فقال عمرو بن هشام: أرى أن تأخذوه وتحبسوه في بيت وتسدّوا عليه الباب وتخلّوا كوّة تطرحون إليه منها قوتا يعيش به إلى أن يموت، فقال إبليس لعنه الله: بئس الرّأي ما رأيت فإنّ أقاربه يتعصّبون له إذا ويستنقذونه، قالوا جميعا: صدق الشّيخ النّجديّ، ثمّ قال أبو البختريّ بن هشام: أمّا أنا فأرى أن تحملوه على بعير وتخرجوه من أرضكم يذهب حيث يشاء، قال: بئس الرّأي ما رأيت كأنّي به إذا وقد كرّ عليكم بعسكر لجب لينتقم منكم، قالوا جميعا: صدق الشّيخ النّجديّ، ثمّ قال الفاسق أبو جهل لعنه الله:
لكنّي أرى أن يجتمع من كلّ بطن ورهط واحد ومعه سيفه ثمّ نمشي جميعا ونضربه ضربة رجل
واحد، [ثمّ] وديناه إلى عشيرته، ولا يقدرون على المطالبة بالقود فإنّهم لا يقاومون قريشا بأجمعهم، قال إبليس: صدق هذا الشّابّ والرّأي ما رآه، وأثنى عليه. فتفرّقوا على ذلك، وهبط جبريل عليه السّلام يخبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ويأذن له في الهجرة، فلمّا كان ليلة الاغتيال وثب عن فراشه وخلّف عليّا مكانه، وخرج من باب بيته وإذا هم وقوف مجتمعون، فصرف الله أبصارهم عنه حتى أخذ التّراب وحثا على رؤوسهم، ثمّ انطلق إلى أبي بكر فصحبه أبو بكر في الهجرة، وكانا قد دبّرا في ذلك من قبل فوفّقهما الله تعالى لذلك، فنزلت الآية بذكر الله نعمته وإن كان هو ذاكرا ليزداد شكرا وليعتبر به المعتبرون.