وحيث ما ذكر الله تعالى الخواص ذكرهم برجال كقوله تعالى: {رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23] ، وكقوله تعالى: {رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ} [التوبة: 108] ؛ لأن وجه الامتياز بين الخواص والعوام بالرجولية في طلب الحق وعلو الهمة، فإن أصحاب الأعراف بعلو همتهم ترقوا عن حضيض البشرية ودركات النيران وصعدوا على ذروة الروحانية ودرجات الجنان، وما التفتوا إلى نعيم الدارين وما ركنوا إلى كمالات المنزلين؛ حتى عبروا على المكنونات وأقاموا على الأعراف وهي: مرتبة فوق الجنان في حظائر القدس عند الرحمن، وهم مشرفون على أهل الجنة والنار، فلمَّا رأوا أهل الجنة وهم {فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ} [يس: 55] وقد شغلوا بنعيمها على المولى، {وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} [الأعراف: 46] ؛ يعني: هنيئاً لكم؛ يعني: ما أنتم فيه من النعيم المقيم والقصور.
ثم أخبر عن همة أصحاب الأعراف فقال تعالى: {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} [الأعراف: 46] نعيم الجنة ودرجاتها، ولم يركنوا إلى شيء منها فعبروا عليها ولم يدخلوها، وهم على الأعراف يطمعون في الوصول إلى الله تعالى والدخول في الجنة التي أضافها الله تعالى إلى نفسه بقوله: {وَادْخُلِي جَنَّتِي} [الفجر: 30] .
{وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَآءَ أَصْحَابِ النَّارِ} [الأعراف: 47] ابتلاء ليريهم أنه تعالى من أي دركة خلصهم؟ وبأي كرامة اختصهم؟ فيعرفوا قدر ما أنعم الله عليهم، ومن هذا القبيل يكون ما سنح لأرباب الكمالات من الخواطر النفسانية، وما ابتلاهم الله بشيء من الدنيا والجاه والقبول والاشغال بالخلق؛ ليعرفوا قدر العزلة والتجريد والأنس مع الله تعالى في الخلوات.