يعلن موسى - عليه السلام - إدراكه لطبيعة ما يقع ؛ ومعرفته أنها الفتنة والابتلاء ؛ فما هو بغافل عن مشيئة ربه وفعله كالغافلين!. وهذا هو الشأن في كل فتنة: أن يهدي الله بها من يدركون طبيعتها ويأخذونها على أنها ابتلاء من ربهم وامتحان يجتازونه صاحين عارفين. وأن يضل بها من لا يدركون هذه الحقيقة ومن يمرون بها غافلين ، ويخرجون منها ضالين.. وموسى - عليه السلام - يقرر هذا الأصل تمهيداً لطلب العون من الله على اجتياز الابتلاء:
{أنت ولينا} ..
فامنحنا عونك ومددك لاجتياز فتنتك ، ونيل مغفرتك ورحمتك:
{فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين} ..
{واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة ، إنا هدنا إليك} ..
رجعنا إليك ، والتجأنا إلى حماك ، وطلبنا نصرتك.
وهكذا قدم موسى - عليه السلام - لطلب المغفرة والرحمة ، بالتسليم لله والاعتراف بحكمة ابتلائه ، وختمه بإعلان الرجعة إلى الله والالتجاء إلى رحابه. فكان دعاؤه نموذجاً لأدب العبد الصالح في حق الرب الكريم ؛ ونموذجاً لأدب الدعاء في البدء والختام.
ثم يجيئه الجواب:
{قال: عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء } ..
تقريراً لطلاقة المشيئة ، التي تضع الناموس اختياراً ، وتجريه اختياراً: وإن كانت لا تجريه إلا بالعدل والحق على سبيل الاختيار أيضاً ، لأن العدل صفة من صفاته تعالى لا تتخلف في كل ما تجري به مشيئته ، لأنه هكذا أراد.. فالعذاب يصيب به من يستحق عنده العذاب.. وبذلك تجري مشيئته.. أما رحمته فقد وسعت كل شيء ؛ وهي تنال من يستحقها عنده كذلك: وبذلك تجري مشيئته ، ولا تجري مشيئته - سبحانه - بالعذاب أو بالرحمة جزافاً أو مصادفة. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.