وقرأ الحرميان - نافع وابن كثير - وأهل حرميهما وأبو عمرو: {اقْتَدِهْ} بالهاء ساكنة وصلًا ووقفًا، وهي هاء السكت أجروها وصلًا مجراها وقفًا وقرأ الأخوان حمزة والكسائي بحذفها وصلًا، وإثباتها وقفًا، وهذا هو القياس. وقرأ هشام: {اقْتَدِهْ} باختلاس الكسر في الهاء وصلًا وسكونها وقفًا. وقرأ ابن ذكوان: بكسرها ووصلها يياء وصلًا، وسكونها وقفًا، ويؤول على أنها ضمير المصدر لا هاء السكت، وتغليط ابن مجاهد قراءة الكسر غلط منه، وتأويلها على أنها هاء السكت ضعيف.
{قُلْ} يا محمَّد لجميع من بعثت إليه من أهل مكة وغيرهم {لَا أَسْأَلُكُمْ} ولا أطلب منكم {عَلَيْهِ} ؛ أي: على هذا القرآن الذي أمرت أن أدعوكم إليه وأذكركم به، أو على تبليغ الرسالة أو على التوحيد {أَجْرًا} وجعلًا من مال ولا غيره من المنافع من جهتكم، كما أن جميع من قبلي من الرسل لم يسألوا أقوامهم أجرًا على التبليغ والهدى، وقد تكرر هذا الأمر له - صلى الله عليه وسلم - في سور متعددة، كقوله: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} قيل: لما أمره الله تعالى بالاقتداء بالنبيين، وكان من جملة هداهم عدم طلب الأجر على إيصال الدين وإبلاغ الشريعة لا جرم اقتدى بهم، فقال: {لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا} .
{إِنْ هُوَ} ؛ أي: ما القرآن {إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} كافة؛ أي: ما هو إلا تذكير وموعظة وإرشاد للعالمين كافة، لا لكم خاصة. وفي هذا تصريح بعموم رسالته وبعثته - صلى الله عليه وسلم - للناس جميعًا أسودهم وأحمرهم، إنسهم وجنهم.
91 - {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} ؛ أي: وما عرفت الله سبحانه وتعالى اليهود وقومك المشركون حق معرفته، وما عظموه حق عظمته؛ أي: العظمة اللائقة به المستحقة له. قال ابن عباس رضي الله عنهما: معناه: ما عظموا الله حق عظمته. وقال أبو العالية: ما وصفوا الله حق صفته. وقال الأخفش: ما عرفوا الله حق معرفته {إِذْ قَالُوا} ؛ أي: إذ قالت اليهود لك يا محمَّد حين خاصموك {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} ؛ أي: من كتاب، وذلك أن اليهود أنكروا إنزال الله من السماء كتابًا إنكارًا للقرآن.