وكلمة (الْعَالَمِينَ) يريد بها العقلاء من الملائكة والإنس والجن، فهو رب هؤلاء جميعا، هو الذي رباهم وأصلحهم، ودبر أمورهم، والعالَمون جمع لعالَم، وهو كل موجود غير الله تعالى، ولكن إذا جاءت"عالَمون"بجمع المذكر العاقل، أريد بها العقلاء ممن خلق الله تعالى، وقد أيد ذلك القول بقول ابن عباس رضي الله عنهما:"العالَمون الجن والإنس"، ودليله قوله تعالى: (لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) ، فلا ينذر إلا الجن والإنس؛ لَا تنذر الجبال ولا الأرضون، وإنما ينذر العقلاء الذين يتصور الشر منهم، أو لَا يتصور كالملائكة، وقد قلنا إن لفظ العالمين يعمهم.
ويسأل سائل: لماذا جمع هنا، والأقرب الإفراد، ونقول ما قاله العلماء: إن المفرد هنا (وهو عالَم) أعم من الجمع، ولكن يبقى السؤال لم ذكر الجمع؟ أجابوا بأن في ذلك إشارة إلى أن كل عاقل، أو العاقلين بشكل عام فيهم العوالم كلها، ففيهم دقة التكوين وجمال التصوير وروعة الخلق، من عقل يدبر، ولسان وجوارح تتحرك، فجمع الله تعالى في عالم العقلاء كل العوالم الأخرى في إحكام الصنع وبديع التكوين كما قال تعالى في تقديم العلم بالنفس، وجلائل الخلق والتكوين: (وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) ، ففي الإنسان أكمل صورة للخلق والتكوين.
(الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(3)
هذان وصفان من أوصاف الله تعالى، أو اسمان من أسمائه ذُكِرَا في مقام السببية لاستحقاق الله تعالى الحمد وحده، وقد ذكرنا هذين الوصفين في الكلام في البسملة، فلا نعيده، ولكن نذكر هنا مقامهما من النسق بعد قوله تعالى: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) فنقول إن"الرحمن والرحيم"يدلان على الرحمة التي يصلح بها الكون ويدبر أمره بحكمته وقدرته، فهو سبحانه يرب العالمين ويصلحهم رحيمًا بهم، ويصلح الكون والوجود كله برحمته الشاملة لاسمه الأعلى الرحمن.
(مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ(4)