لاحظ صلة معانيها بالآية الأولى والثالثة من مقدمة سورة الأنعام الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ... وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ إن محور سورة الأنعام من سورة البقرة يعجّب من كفر الكافرين، وينكر عليهم، ومقدمة سورة الأنعام تدلّنا على الشكر بدل الكفر الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كما أنها تعرض علينا مواقف الكافرين ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ. لقد أقامت الآيتان اللتان هما محور سورة الأنعام من سورة البقرة الحجة على الكافرين من خلال ظاهرتي الحياة والعناية، وكلاهما مرتبط بظاهرة الخلق، وهاهنا تتحدث الآيات الثلاث عن هذه الظواهر كلها، وفي هذه الآيات الثلاث يقول صاحب الظلال:
«إن هذه الموجة العريضة الشاملة في مطلع السورة، إنّما تخاطب القلب البشري والعقل البشري بدليل «الخلق» ودليل «الحياة» ممثلين في الآفاق وفي الأنفس، ولكنها لا تخاطب بهما الإدراك البشري خطابا جدليا، لاهوتيا أو فلسفيا! ولكن خطابا موحيا موقظا للفطرة، حيث يواجهها بحركة الخلق والإحياء، وحركة التدبير والهيمنة؛ في صورة التقرير لا في صورة الجدل؛ وبسلطان اليقين المستمد من تقرير الله؛ ومن شهادة الفطرة الداخلية بصدق هذا التقرير فيما تراه. ووجود السماوات والأرض، وتدبيرهما وفق هذا النظام الواضح؛ ونشأة الحياة - وحياة الإنسان في قمتها - وسيرها في هذا الخط الذي سارت فيه، كلاهما يواجه الفطرة البشرية بالحق، ويوقع فيها اليقين بوحدانية الله، والوحدانية هي القضية التي تستهدفها السورة كلها - القرآن كله - وليست هي قضية (وجود) الله.
فلقد كانت المشكلة دائما في تاريخ البشرية هي مشكلة عدم معرفة الإله الحق، بصفاته الحقة؛ ولم تكن هي مشكلة عدم الإيمان بوجود إله!