لقد اشترك الاثنان في قبول قضاء الله ، وأسلم كل منهما للأمر ؛ أسلم إبراهيم كفاعل ، وأسلم إسماعيل كمنفعل ، وعلم الله صدقهما في استقبال أمر الله ، وهنا نادى الحق إبراهيم عليه السلام: لقد استجبت أنت وإسماعيل إلى القضاء ، وحسبكما هذا الامتثال ، ولذلك يجيء إليك وإلى ابنك اللطف ، وذلك برفع البلاء . وجاء الفداء بِذِبْحٍ عظيم القدر ، لأنه ذِبْحٌ جاء بأمر الله . ولم يكتف الحق بذلك ولكنَّ بشرَ إبراهيم بميلاد ابن آخر: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصالحين} [الصافات: 112] .
لقد رفع الله عن إبراهيم القدَر وأعطاه الخير وهو ولد آخر . إذن فنحن البشر نطيل على أنفسنا أمد القضاء بعدم قبولنا له . لكن لو سقط على الإنسان أمر بدون أن يكون له سبب فيه واستقبله الإنسان من مُجريه وهو ربه بمقام الرضا ، فإن الحق سبحانه وتعالى يرفع عنه القضاء . فإذا رأيت إنساناً طال عليه أمد القضاء فاعلم أنه فاقد الرضا .
ونلحظ أن الحق هنا يقول: {وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ} الله سبحانه وتعالى يعلم أن أي عبد لا يتحمل أن يضره الحق ؛ فقوة الحق لا متناهية ولذلك يكون المس بالضر ، وكذلك بالخير ؛ فالإنسان في الدنيا لا ينال كل الخير ، إنما ينال مس الخير ؛ فكل الخير مدخر له في الآخرة .
ونعلم أن خير الدنيا إما أن يزول عن الإنسان أو يزول الإنسان عنه ، أما كل الخير فهو في الآخرة .