كَتَبَ فرض وأوجب إيجاب تفضل وكرم لَيَجْمَعَنَّكُمْ ليحشرنكم، والمقصود من الكلام: ليجازينكم بأعمالكم لا رَيْبَ فِيهِ لا شك. خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ أي تركوا ما يقتضيه العقل والعلم والمصلحة الحقيقية، وعرّضوا أنفسهم للعذاب. ما سَكَنَ ثبت. من السكون: ضد الحركة، وفيه اكتفاء بما ذكر عما يقابله، أي له ما سكن وما تحرك، مثل قوله تعالى: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل 16/ 81] أي والبرد. والمقصود: له تعالى كل شيء، فهو ربه وخالقه ومالكه.
وَلِيًّا ناصرا.
فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي منشئهما ومبدعهما على غير مثال سابق. يُطْعِمُ يرزق.
وَلا يُطْعَمُ لا يرزق أي هو الرازق لغيره ولا يرزقه أحد. إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي بعبادة غيره.
عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ هو يوم القيامة. مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ أي من يبعد عنه العذاب.
رَحِمَهُ أي نجّاه من العذاب والأهوال، وأراد له الخير. الْفَوْزُ الْمُبِينُ النجاة الظاهرة.
المناسبة:
هذه الآيات تأكيد لما سبق في إثبات أصول الدين الثلاثة: إثبات وجود الصانع وتوحيده، وتقرير البعث والمعاد والجزاء، وتقرير النبوة ورسالة محمد صلّى الله عليه وسلّم، وذلك بإقامة الأدلة عليها بطريق السؤال والجواب، وهذا نمط آخر في الإثبات، لترسيخ العقيدة في القلب، واجتذاب الأنظار واستمالة السامع حتى لا يمل.
وإذا ثبت كون الله هو الخالق والمبدع والمنشئ للسموات والأرض وما فيهما من كل متحرك وساكن، ثبت كونه قادرا على الإعادة والحشر والنشر، وثبت أنه تعالى الملك المطاع، والملك المطاع: من له الأمر والنهي على عبيده، ولا بد حينئذ من مبلّغ، والمبلّغ هو النبي، فكانت بعثة الأنبياء والرسل من الله تعالى إلى الخلق أمرا لازما، وبذلك كانت الآية وافية بإثبات هذه الأصول الثلاثة.
التفسير والبيان:
قل يا محمد للمشركين من قومك: لمن هذه السموات والأرض، ولمن هذا الكون والوجود وما فيه؟ والمقصود من السؤال التبكيت والتوبيخ، لأنهم كانوا يعتقدون بأن الله هو الخالق، كما حكى تعالى عنهم: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ: مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان 31/ 25] .