وهذا كما قال تعالى في مكابرتهم للمحسوسات: وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ، فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ، لَقالُوا: إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا [أي حبست ومنعت] بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ [الحجر 15/ 14 - 15] ، وقوله سبحانه: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً، يَقُولُوا: سَحابٌ مَرْكُومٌ [الطّور 52/ 44] .
هذا هو الرّدّ على اقتراحهم الأوّل وهو تنزيل كتاب من السّماء، ثم ردّ الله على اقتراحهم الثاني وهو إنزال ملك من السّماء يرونه ويكون مؤيّدا له، فقال تعالى: وَقالُوا: أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ أي هلا أنزل الله مع الرّسول ملكا
يكون معه نذيرا ومؤيّدا له ونصيرا، كأنّهم فهموا أن الرّسالة السّماوية تتنافى مع البشرية، وهم يعلمون أنّ الرّسول بشر، كما قال تعالى: ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ، وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ [المؤمنون 23/ 33] ، وقال:
وَقالُوا: مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ، أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ، فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً [الفرقان 25/ 7] ومضمون ردّ الاقتراح الثّاني من جهتين:
أوّلا- وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً .. أي ولو أنزل الله ملكا كما اقترحوا لقضي الأمر بإهلاكهم، ثم لا يمهلون ليؤمنوا، بل لجاءهم من الله العذاب، كما قال تعالى:
ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ [الحجر 15/ 8] ، وقال:
يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ، لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ [الفرقان 25/ 22] .
ثانيا- وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا .. أي ولو أنزلنا مع الرّسول البشر ملكا، لكان متمثلا بصورة الرّجل، ليمكنهم مخاطبته والانتفاع بالأخذ منه، ثم يعود الأمر كما كان ويقعون في اللّبس والاشتباه نفسه، الذي يلبسون على أنفسهم ويختلط الأمر عليهم باستنكار جعل الرّسول بشرا فإن هذا الرّجل سيقول لهم: إنّي رسول الله، كما يقول محمد صلّى الله عليه وسلّم، قال ابن عباس في الآية: