وقوله: {إِنِّي أَرَاكَ} فَي فيه وجهان: أن يكون أرى هنا من رؤية القلب؛ لأنَّ الضلال قد يكون اعتقادًا فلا يُرى بالبصر، وأن يكون من رؤية البصر؛ لأنه أراد عبادة الْأَصْنَامَ، وهي مرئية، فقوله: {فِي ضَلَلٍ} على الوجه الأول: مفعول ثان، وعلى الثاني: حال.
{وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) } :
قوله عزَّ وجَلَّ: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ} الكاف يحتمل أن يكون في موضع نصب على أنَّه نعت لمصدر محذوف، أي: نريه ملكوت السماوات والأرض إراءة مثل إراءتنا إياه ما كان عليه أبوه وقومه من عبادة الأصنام، وهو قوله: {فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} وأن يكون في موضع رفع على الابتداء، والخبر {نُرِي} ، أي: ومثل ذلك التعريف والتبصير نعرفه ونبصره ملكوت السماوات والأرض، أو بالعكس، أي: والأمر كذلك، أي: كما رآه من ضلالتهم.
وقيل: {نُرِي} من رؤية القلب، و {وَكَذَلِكَ} : المفعول الثالث. و {نُرِي} حكاية حال ماضية.
وقرئ: (تُرِيْ إبراهيمَ ملكوتُ السماوات) بالتاء النقط من فوقه ورفع الملكوت على الفاعلية على معنى: تبصره دلائل الربوبية والإلهية.
والملكوت: الملك، والواو والتاء مزيدتان للمبالغة كاللتين في الجبروت، والرحموت، والرهبوت.
وقوله: {وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} عطف على محذوف، أي: عرّفنا إبراهيم ذلك ليستدل وليكون من الموقنين.
وقيل: التقدير: وليكون من الموقنين أريناه.
{فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) } :
قوله عزَّ وجلَّ: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ} قيل: هذا عطف على {قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ} ، وما بينهما معترض، وهو قوله: {وَكَذَلِكَ} إلى قوله: {مِنَ الْمُوقِنِينَ} ، وقد مضى الكلام على (لما) وأصلها فيما سلف من الكتاب.