ومعنى {جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ} : أي ستره بظلمته، يقال: جَنَّ عليه الليل يَجُنُّ جُنونًا، وجَنَّه الليل أيضًا وأجنه إجنانًا بمعنًى، إلّا أن بين قولهم: جن عليه الليل، وجنه الليل فُرَيْقًا في المعنى. وذلك أن قولهم: جن عليه، بمعنى أظلم عليه، فلذلك عُدِّي بالجار، وجنَّهُ، بمعنى ستره، ولذلك عُدي بنفسه، فاعرفه.
وقوله: {رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي} (رأى) يحتمل أن يكون حالًا من الضمير في {عَلَيْهِ} ، وعامل لمّا وجوابها {قَالَ} ، وأن يكون عاملها
وجوابها (رأى) ، و (قال) حالًا من المستكن في {رَأَى} ، أي: رائيًا، أو قائلًا، وأيهما جعلته حالًا كانت قد معه مرادة.
و {هَذَا رَبِّي} مبتدأ وخبر، واختلف في معناه:
فقيل: معناه الاستفهام، أي: أهذا ربي؟ وهمزة الاستفهام قد تحذف إذا دل عليها الدليل إمّا من جهة المعنى، أو من جهة اللفظ.
وقيل: هو على حذف القول، كأنه قال: يقولون: هذا ربي.
وكان فيما ذكر أهل التفسير أبوه وقومه يعبدون الأصنام والكواكب والقمر والشمس، فأراد خليل الرَّحمن صلوات الله وسلامه عليه أن ينبههم على الخطأ في دينهم، وأن يرشدهم إلى طريق النظر والاستدلال، إذ بهما يُعرَف الحقُّ سبحانه مع ما جاء به الشارع - عَلَيْهِ السَّلَام -.
وقيل: قال ذلك في حال الطفولية، ولم يُوحَ إليه، يدلُّ على ذلك قوله: {لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ} .
وقيل: معناه: هذا ربي على زُعْمِكم، كما قال: {أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} ، أي: أين شركائي على زَعْمِكم، فأضافهم إلى نفسه حكاية لقولهم.
وقوله: {فَلَمَّا أَفَلَ} أي: غاب، يقال: أَفَلَ الشيءُ يَأْفِلُ ويَأْفُلُ أُفُولًا، أي: غاب.
ومعنى {لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} : لا أحب عبادة الأرباب المتغيرين من حال إلى حال؛[لأن ذلك من صفات المخلوقين لا من صفات رب العالمين.
قيل: وإنما احتج عليهم بالأفول دون البزوغ، وكلاهما انتقال من حال إلى حال]؛ لأنَّ الاحتجاج بالأفول أظهر؛ لأنه انتقال مع خفاء واحتجاب.