يكون ذلك عن الطبع الكائن عن عقوبة الإعراض، كما قال جلَّ قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ
مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً
أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (57) .
فلوجود الطبع على القلوب عميت منهم البصائر وصمَّت الآذان وبكمت الألسن، فهم يشاهدون الآيات ويعاينون البينات، فيمرون عليها وهم عنها معرضون،
وربما التفتوا إليها من حال إعراضهم، ويذكروها من غيابات حجب غفلاتهم،
فيتمثل لهم في صورة الفتنة، فلهوا بها وأنسوا بمشاهدتها دون ذكر شهيدها جلَّ
ذكره فاتخدوها هزوًا ولعبًا عن حقيقة حق يهديهم، وربما تأولها على ما ليست به،
وقولوها ما لم يقل به في شهادتها لخالقها - عز وجل - ، وربما ألحدوا بها إلى أنها من
المعهود المتعارف كما قال - جلَّ قوله - في بعضهم: (وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ
سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (44) .
وقال أيضًا - جلَّ قوله - في آخرين: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا
فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15)
فحينئذٍ يذرهم في طغيانهم يعمهون، وفي جهالتهم يترددون حتى يأخذهم على
أقبح ما كانوا به عاملين، نسأل الله العفو الغفور معافاته ومغفرته.
(وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ(8)
إلى قوله: (وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) . أخبر - جل ثناؤه -
أنه لا ينزل الملائكة من السماء إلا بالحق؛ أي: بقضاء، والأمر من موت أو قيام
السَّاعة أو مجيء الله جل ذكره للعرض الأكثر، أو ما يكون من معنى الانقراض لهذه
الدار، وكشف الدار الآخرة.
يقول الله جلَّ ذكره: (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ