{وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (12) [فاطر: 12] والحلية هنا هي اللؤلؤ والمرجان هناك، وقد أخبر أنها من كل واحد من البحرين، وإنما اعتمد هذا القائل على قول الحكماء الطبيعيين مثل أرسطاطاليس في كتاب الآثار العلوية، وكتاب الأحجار وغيره، حيث زعموا أن اللؤلؤ والمرجان لا يتكون إلا في البحر المالح، والله - عز وجل - [أخبر منهم] بمخلوقاته، وعجائب مصنوعاته: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (14) [الملك: 14] غير أن نبينا صلّى الله عليه وسلّم أرسل إلى الجن والإنس؛ لأنهم قصدوه وسمعوا/ [83 أ/م] منه القرآن، وأخذوا عنه الشرائع، ولو كان هناك نبي منهم؛ لامتنع في العادة أن يتركوه، ويقصدوا غير جنسهم، وإذا ثبت أن الجن أرسل إليهم رسل منهم، ثبت أنهم مكلفون مخاطبون كالإنس، وفي كون كفارهم مخاطبين بفروع الدين ما في كفار الإنس من الخلاف، وهذه مسألة
وقعت فذكرناها.
{ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ} (131) [الأنعام: 131] يحتج بها وبنظائرها المعتزلة، ووجه احتجاجهم أن أفعالهم لو كانت مخلوقة لغيرهم، لكان إهلاكهم بها ظلما لهم، واللازم باطل بهذه الآيات، فالملزوم كذلك، وأجاب الكسبية بأنها مكسوبة لهم، والجبرية بأنها لو فوضت إليهم لكانت معاصي يستحقون بها الهلاك، فعاملهم على حسب علمه فيهم.
{وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ} (132) [الأنعام: 132] وهذا يدل على ما ورد من أن دخول الجنة بفضل الله - عز وجل - واقتسام درجاتها بالأعمال.