القدم موجود له، حقيقة ذلك في الحضرة الرحمانية، ومعارف الصمدانية في معالم
الجبروت والملكوت، كذا سبحات الكبرياء والعظمة ونزاهة القدس والجلال، فهو
-جلَّ ذكره وتعالى علاؤه وشأنه وجدَّه - يعبر بأنه في السماوات وفي الأرض،
ومع جميع خليقته عبارة حق عن وجود حقيقة، فهو كذلك من حيث هو لا من
حيث هي.
فأما المعلمون من المشايخ - رحمهم الله - فإنهم لم يفرغوا لتحرير العبارات العوام، فكل
ما أتى من هذا تأوله مخافة الإيهام، ونفوا عنه الاتباع خشية الإشكال إذ ذلك؛ أعني:
توهم ما لا يجوز عليه معدوم عند العقول الصافية، ونواظر البصائر الصائبة، كيف
تشبه الخليقة الحقيقة؛ بل كيف يماثل القدرة المقدور؟! جل القديم الأول عن أن
يكون في حفرته الجلالية صفة حديثة، كما استحال أن تكون الأمور الحديثة
صفات قديمة، ليس كذاته ذات، ولا كفعله فعل، ولا كصفته صفة، ولا كحضرته
حضرة إلا موافقة ألفاظ، - سبحانه وتعالى - علاؤه وشأنه وجدُّه عن أن يغلبه عبده أو يمانعه ملكه،
تعالى عن ذلك كله علوًا كبيرًا.
أتبع ذلك بما هو في معناه قوله تعالى: (وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ(4) .
فتعرّف الآيات واستشهاد البينات، ثم اعتبر من
محدث إلى قديم، ومن وصف محدث دنيوي إلى وصف قدس جلالي، فلو عبر لنا
بما هو من حيث هو يخرج باللفظ، والخطاب عن أن يكون معقولاً لنا؛ لعدم
معرفتنا بما هنالك، ولم يكن الكلام عربيًا ولا مبينًا، بل إنما هو تنزيل من رب
العالمين، وكل عبارة تجيء بأنه في السماء، أو في الأرض، أو على حال يوهم حدثًا
أو حيلولة أو تغييرًا، فإنما ذلك كله عبارة عما هو عليه على ما لم يزل بما لم يزل
فيما لم يزل، وإنما هي الآيات تشير والبينات تشهد، فالحق يبين والوجود يدل
وينبئ عن الموجود، فافهم.
قوله جلَّ ذكره: (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ(7) .
وصفهم - جلَّ جلالُه - بإنكار المشاهدة، وإنما