ومن مواضع رحمة الله التي تقررها الآية الكريمة: أن الله كتب ليجمعنهم إلى يوم القيامة:
{قل لمن ما في السماوات والأرض؟ قل: لله. كتب على نفسه الرحمة. ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه..} ..
فمن هذه الرحمة المكتوبة ، ذلك الجمع الذي لا ريب فيه.. ذلك الجمع الذي يشي بما وراءه من عناية الله - سبحانه - بعباده من الناس ؛ فقد خلقهم لأمر ؛ واستخلفهم في هذه الأرض لغاية ، ولم يخلقهم عبثاً ، ولم يتركهم سدى.
ولكن يجمعهم إلى يوم القيامة - فهذا اليوم هو نهاية المطاف الذي يفيئون إليه كما يفيء الراحل إلى وجهته - فيعطيهم جزاء كدحهم إليه ، وينقدهم أجر عملهم في دار الدنيا. فلا يضيع عليهم كدح ولا أجر ؛ إنما يوفون أجورهم يوم القيامة.. وفي هذه العناية تتجلى الرحمة في مظهر من مظاهرها.. كما أن ما يتجلى من فضل الله في جزاء السيئة بمثلها ، والحسنة بعشرة أمثالها ، والإضعاف لمن يشاء ، والتجاوز عما يشاء لمن يشاء.. كل أولئك من مظاهر الرحمة التي تتجلى في هذا الجمع أيضاً.
ولقد كان العرب في جاهليتهم - قبل أن يمن الله عليهم بهذا الدين ويرفعهم إلى مستواه الكريم - يكذبون بيوم القيامة - شأنهم في هذا شأن أهل الجاهلية"العلمية"الحديثة!!! لذلك جاء التعبير في هذه الصيغة المؤكدة بشتى التوكيدات ، لمواجهة ذلك التكذيب:
{ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه} ..
ولن يخسر في هذا اليوم إلا الذين لم يؤمنوا في الدنيا.. وهؤلاء لن يخسروا شيئاً ويكسبوا شيئاً.. هؤلاء خسروا كل شيء .. فقد خسروا أنفسهم كلها ، فلم يعودوا يملكون أن يكسبوا شيئاً. أليس أن الإنسان إنما يكسب لنفسه؟ فإذا خسر نفسه ذاتها فماذا يكسب؟ ولمن يكسب؟!
{الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون} ..