وَمِثْلُ هَذَا التَّنَاقُضِ وَالتَّضَادِّ فِي حُكْمِ الْبَشَرِ لِأَنْفُسِهِمْ وَعَلَيْهَا مَعْهُودٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَكُلِّ مَكَانٍ ، فَهُمْ يَرْفَعُونَ أَنْفُسَهُمْ تَارَةً إِلَى مَا هُوَ أَعْلَى مِنْ قَدْرِهَا بِمَا لَا يُحْصَى مِنَ الدَّرَجَاتِ وَالْمَسَافَاتِ الْبَعِيدَةِ السَّحِيقَةِ ، وَيَهْبِطُونَ بِهَا تَارَةً إِلَى مَا هُوَ دُونَ اسْتِعْدَادِهَا بِمَا لَا يُعَدُّ مِنَ الدَّرَكَاتِ الْعَمِيقَةِ ، يَتَسَامَوْنَ تَارَةً لِلْبَحْثِ فِي عَالَمِ الْغَيْبِ مِنَ الْأَزَلِ الَّذِي لَا يَعْرِفُونَ أَوَّلَهُ ، إِلَى الْأَبَدِ الَّذِي لَا يُدْرِكُونَ نِهَايَتَهُ ، وَلِلْكَلَامِ فِي كُنْهِ الْخَالِقِ ، وَفِي كَيْفِيَّةِ صُدُورِ الْوُجُودِ الْمُمْكِنِ عَنِ الْوُجُوبِ الْوَاجِبِ . وَيَعْتَرِفُونَ تَارَةً بِالْعَجْزِ عَنْ مَعْرِفَةِ كُنْهِ أَنْفُسِهِمْ وَالْقُصُورِ عَنِ الْإِحَالَةِ بِأَنْوَاعِ الْجِنَّةِ الَّتِي تَعِيشُ فِي بِنْيَتِهِمْ وَتُؤَثِّرُ فِي جَمِيعِ مَوَادِّ مَعِيشَتِهِمْ مِنْ أَطْعِمَتِهِمْ وَأَشْرِبَتِهِمْ ، يَقُولُونَ تَارَةً إِنَّ هَذَا الْإِنْسَانَ سَيِّدُ الْأَكْوَانِ ، وَمِصْدَاقُ قَوْلِ الْغَزَالِيِّ: لَيْسَ فِي الْإِمْكَانِ أَبْدَعُ مِمَّا كَانَ ، وَيَقُولُونَ تَارَةً إِنَّهُ مَظْهَرُ الظُّلْمِ وَالْخَلَلِ وَالْفَسَادِ وَإِنَّمَا يُعَظِّمُ أَحَدُهُمْ نَفْسَهُ أَوْ جِنْسَهُ فِي