22 -ولنتجاوز رومة الرومان ولنعبر للبحر الأبيض ، وليمم شواطئه الجنوبية ، فهناك تجد مدينة الإسكندرية ومدرستها ، وفلسفتها التي كانت تشع على العلم كله بنور العلم ، وقد آوى إليها فلاسفة اليونان ، وتابعوا الفلسفة اليونانية ، والتي تراها تتجه اتجاهاً واضحاً إلى النواحي الدينية ، والبحث في منشئ الكون.
كان شيخ هذه المدرسة امنيوس المتوفى سنة 242 ، اعتنق في صدر حياته الديانة المسيحية. ثم ارتد عنها إلى وثنية اليونان الأقدمين ، وجاء من بعده تلميذه أفلوطين المتوفى سنة 270 وقد تعلم في مدرية الإسكندرية أولاً ، ثم رحل إلى فارس والهند ، وهناك استقى ينابيع الصوفية الهندية, وأطلع على تعاليم بوذا وديانته ، وبراهمة الهند وديانتهم. وعرف آراء البوذيين في بوذا ، والبراهمة في كرشنة ، وقد عاد بعد ذلك إلى الإسكندرية ، وأخذ يلقي بآرائه على تلاميذه ، وجلها يتجه إلى تعرف ما وراء الطبيعة ، ومنشئ الكون.
ويلخص اعتقاده في منشئ الكون في ثلاث أمور:
(أولها) أن الكون قد صدر عن منشئ أزلي دائم لا تدركه الأبصار ، ولا تحده الأفكار ، ولا تصل إلى معرفة كنهه الإفهام.
(ثانيها) أن جميع الأرواح شعب لروح واحد وتتصل بالمنشئ الأول بواسطة العقل.
(ثالثها) أن العالم في تدبيره وتكوينه خاضع لهذه الثلاثة ، وهو تحت سلطانها ، فإنه منشئ الأشياء وهو مصدر كل شيء ، وإليه معاده لا ينصف
بوصف من أوصاف الحوادث. فليس بجوهر ولا عرض ، وليس فكراً كفكرنا ... ولا إرادة كإرادتنا ولا وصف له ، إلا أنه واجب الوجود ، يتصف بكل كمال يليق به ، يفيض على كل الأشياء بنعمة الوجود ، ولا يحتاج هو إلى موجود ، وأول شيء صدر عن هذا المنشئ في نظر أفلوطين هو العقل المصدر عنه كأنه يتولد منه ، ولهذا العقل قوة الإنتاج ، ولكن ليس مكن تولد عنه ، ومن العقل تنبثق الروح التي هي وحدة الأرواح ، وعن هذا الثالوث يصدر كل شيء ومنه يتولد كل شيء .