21 -ولقد كان من المسيحيين من يفرون بدينهم ، ومنهم من يظهر الوثنية ويبطن المسيحية ، ومنهم من دخل النصرانية وفي رأسه تعاليم الوثنية لم تخلع منه ولم تزايله ، وأن زايلها بعقله المدرك فعقله الباطن ما زال مستقراً لها ومكمناً تكمن فيه ، وهؤلاء لا شك أثر تفكيرهم في المسيحية التي لم يكن لها قوة تحميها ولا شكيمة تعقل النفوس إلى حظيرتها.
وإن التاريخ يروى لنا إنه في القرن الثاني ، والثالث ، والرابع الميلادي قد دخل الرومان والمصريون أفواجاً أفواجاً في المسيحية. فمن حق العلم أن نحكي ما مان يسيطر على هذه الأمم من أفكار ، وما كان يسود تفكيرها من منازع عقلية ودينية ، ولا نعتمد في ذلك إلا على ما أثبته تاريخ العلم والفلسفة ، وما أجمع عليه المؤرخون.
يحكى التاريخ أن مدينة الرومان لم تكن متناسقة تناسقاً اجتماعياً ، فلم يكن توزيع الثروة فيها توزيعاً يتحقق معه العدل الاجتماعي ، فبينما
ترى ترفا ورخاء لمن أفاءت عليهم الدولة بالغئ والغنائم والأسلاب من الفتوح الرومانية ، ترى ألوف الألوف من الناس قد حرموا مل يتبلغون به في حياتهم ، فاستولى عليهم الإحساس بالظلم ، والسخط على الحياة ، والتململ بها ، والناس لا يشقون لآلامهم وحرمانهم بمقدار ما يشقون لسعادة غيرهم التي امتنعت عليهم ، وكذلك كانت آلام سواد الرومان ، ولولا الإيمان بحياة مستقبلية ، يستمتعون فيها بما حرموا منه في هذه الحياة ، لضاقت الصدور بما يجلجل في القلوب ، ولانفجرت في ثورة اجتماعية ، لكن توجت هذه النفوس إلى الإيمان بعالم علوي ، وأعترف الإنسان بعجزه التام عن معرفة نفسه وإسعادها ، إذا اعتمد على تفكيره فقط ، لذلك رجعوا إلى الدين.