وإنا نتلمس تلك الآية الدالة في ولادة عيسى عليه السلام من غير أب ، فنجد أنه يبدو أمام أنظارنا أمران جليان: أحدهما. أن ولادة عيسى عليه السلام من غير أب تعلن قدرة الله سبحانه وتعالى ، وإنه الفاعل المختار المريد ، وإنه سبحانه لا يتقيد في تكوينه للأشياء بقانون الأسباب والمسببات التي نرى العالم يسير عليها في نظامه الذي أبدعه الله والذي خلقه ، فالأسباب الجارية لا تقيد إرادة الله ، لأنه خالقها ، وهو مبدعها ومريدها ، فإن الأشياء لم تصدر عن الله جلت قدرته ، كما يصدر الشيء عن علته ، والمسبب عن سببه ، من غير أن يكون للعلة إرادة في معلولها ، بل كانت بفعله سبحانه وبإرادته التي لا يقيدها شيء مهما يكن شأنه ، وخلق عيسى من غير أب هو بلا ريب إعلان لهذه الإرادة الأزلية ، بين قوم غلبت عليهم الأسباب المادية ، وفي عصر ساده نوع من الفلسفة ، أساسها أن خلق الكون كان مصدره الأول ، كالعلة عن معلولها ، فكان عيسى آية
الله على إنه سبحانه لا يتقيد بالأسباب الكونية ، وأن العالم كله بإرادته ، ولم يكن سبحانه بمنزلة العلة من المعلول: {تَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا} .