لكن ما دام الحق قد أراد أن يكون المنهج قَيِّماً على خواطر النفس ، فلماذا أوجد النفس؟ . لقد أوجد سبحانه النفس لأن وجودها ينبني عليه أن يَهوَى إنسان الحق والحلال لاستبقاء النوع وتجويد العمل لحلال الرزق . إذن فالغريزة تكون موجودة وقد خلقها الله لمهمة ، ولكنه يعصمها بالمنهج من الخروج عن مهمتها .
ويقول قائل: ما دام الله قد خلق غريزة الجنس . . فلماذا لا نتركها لتعبر عن نفسها؟ ونقول له: اتق الله واعلم أن الغريزة الجنسية إنما جاءت لبقاء النوع ، واستخدامها فيما يغضب الله فناء للنوع وانحراف يعاقب عليه المنهج .
وكذلك أوجد الحق غريزة حب الطعام ليقيم الإنسان حياته ولم يوجدها للقضاء على الحياة بالنهم والتخمة والشره . وكذلك غريزة حب الاستطلاع ليست موجودة للتجسس على الناس ، ولكن هي لاستكشاف أسرار الكون واستنباط الجديد فيما ينفع الناس . إذن فكل غريزة إنما توجد من أجل مهمة ، فإن خرجت عن مهمتها ، فالشرع يتحكم ويقول: لا . إن هناك إطاراً يمكن أن تستخدم فيه الغرائز ، والشرع إنما يأتي لا ليمحو الغرائز ، ولكن ليعلِىَ من الغرائز ليستعملها الإنسان فيما ينفع لا فيما يضر .
ويقال في المثل العربي:"آفة الرأي الهوى"فإذا ما وقف اثنان أمام القاضي وأحدهما مظلوم والآخر ظالم فالقاضي العادل هو الذي يرفع الظلم عن المظلوم حتى وإن كان له هوى مع الظالم . ولذلك نجد الحق قد عصم رسوله فقال: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى} [النجم: 3] .