وذكر العرب وما فيها من الدهاء والنكراء، والمكر، ومن بلاغة الألسنة واللدد عند الخصومة فقال: {فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} [الأحزاب: 19] .
وقال: {وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (97) } [مريم: 97] .
وقال: {وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) } [البقرة: 204] .
ثم ذكر خلابة ألسنتهم واستمالتهم الأسماع بحسن منطقهم فقال: {وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} (المنافقون: 4) .
وقال تبارك وتعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4] ؛ لأن الأمر على البيان والتبين وعلى الإفهام والتفهم.
هذا ولا يخفى على كل مَن درس الإسلام في نشأته الأولى ما كان من عداوة قريش الشديدة لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعد أن دعاهم إلى اللَّه وأمرهم بترك ما كان يعبد آباؤهم، وهم قد أوتوا من الفصاحة والبيان وبلاغة اللسان ما يعجب الناس لحسنه سائر الأزمان، وكان وقع القرآن عليهم ثقيلا كبيرا وأرادوا محاربته ومعارضته بكل حيلة فلم يهتدوا سبيلا ومع ذلك لم ينغمسوا فيما انغمس فيه مستشرقي عصرنا من سفاهات تضحك منها العقول بأنَّ في القرآن مخالفة لنهج العرب في كلامها وأن به أخطاء نحوية، وهم ما عرفوا لغة العرب
رأسًا حتى يفهموا المكتوب بها فضلا عن أن يستدركوا على النموذج المعجز، والمثال الكامل من كلام اللَّه، المتحدَّى به العرب الحريصين على تكذيب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الذي سفَّه آلهتهم وازدرى آباءهم، ولم يقع العرب الجاحدون في مثل هذا الهذيان؛ لأنه كان عندهم من العقل والأنفة ما ليس عند مشركي اليوم.
ثم إن من قام بجمع القرآن كان عنده من العلم والدقة والتحري والشروط الصعبة في قبول الرواية القرآنية من التواتر، وصحة الإسناد، وموافقة نحو العرب، وما كان من الغيرة في قلوب الصحابة ومن بعدهم أن يتركوا في القرآن مخالفة للغة العرب، ومن قبل ذلك قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] .
2 -تدوين اللغة وشروط لزومها.