قال الناصر في"الانتصاف":
ثمة سؤال، وهو أن يقال: لو عطف (الصابئين) ونصبه - كما قرأ ابن كثير - لأفاد أيضاً دخولهم في جملة المتوب عليهم، وَلَفُهِم من تقديم ذكرهم على (النصارى) ما يفهم من الرفع من أن هؤلاء الصابئين - وهم أوغل الناس في الكفر - يتاب عليهم، فما الظنّ بالنصارى؟ ولكان الكلام جملة واحدة بليغاً مختصراً، والعطف إفراديّ. فلِمَ عدل إلى الرفع وجعل الكلام جملتين؟ وهو يمتاز بفائدة على النصب والعطف الإفراديّ؟ ويجاب عن هذا السؤال بأنه لو نصبه وعطفه لم يكن فيه إفهام خصوصية لهذا الصنف. لأن الأصناف كلها معطوف بعضها على بعض عطف المفردات. وهذا الصنف من جملتها، والخبر عنها واحد. وأما مع الرفع فينقطع عن العطف الإفراديّ وتبقى بقية الأصناف مخصصة بالخبر المعطوف به. ويكون خبر هذا الصنف المنفرد بمعزل. تقديره مثلاً (والصابئون كذلك) فجيء كأنه مقيس على بقية الأصناف وملحق بها. وهو بهذه المثابة، لأنهم لما استقر بعد الأصناف من قبول التوبة، فكانوا أحقاء بجعلهم تبعاً وفرعاً مشبهين بمن هم أقعد منهم بهذا الخبر، وفائدة التقديم على الخبر المحذوف من ذكره، بعد تقضي الكلام وتمامه، والله أعلم.
الثانية - فإن قلت: إن قوله تعالى: {مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} كيف يقع خبراً عن: {الَّذِينَ آمَنُواْ} أو بدلاً، وهو يقتضي انقسام المؤمنين إلى مؤمنين وغير مؤمنين؟
أجيبك بأن المراد ب-: {الَّذِينَ آمَنُواْ} الذي آمنوا باللسان فقط. وهم المنافقون. فالمعنى: الذين آمنوا باللسان ومن معهم، من أحدث منهم إيماناً خالصاً. أو يؤول: {مَنْ آمَنَ} بمن ثبت على الإيمان. فيصح في حق المؤمنين الخلص. وفي هذا شبه جمع بين الحقيقة والمجاز، ودفع بأن الثبات على الإيمان ليس غير الإيمان، بل هو وإحداثه فردان من مطلقه. والوجه الأول. إذ في ضمّ المؤمنين إلى الكفرة إخلال بتكريمهم، قاله الخفاجيّ.