قال: ما كانت جنايتكم؟
قالوا: عبادة الطاغوت وحب الدنيا.
قال: وما كانت عبادتكم للطاغوت؟
قال: الطاعة لأهل معاصي الله - عز وجل -.
قال: فما كان حبكم للدنيا؟
قال: كحب الصبي لأمه؛ كنا إذا أقبلت فَرِحْنا، وإذا أدبرت حَزِنَّا مع أمل بعيد، وإدبار عن طاعة الله، وإقبال في سخط الله.
قال: كيف كان شأنكم؟
قال: بتنا ليلة في عافية، وأصبحنا في الهاوية.
قال عيسى: وما الهاوية؟
قال: سجِّين.
قال: وما سجِّين؟
قال: جمرة من نار مثل طباق الدنيا كلها، دفنت أرواحنا فيها.
قال: فما حال أصحابك لا يتكلمون؟
قال: لا يستطيعون أن يتكلموا.
قال عيسى: وكيف ذاك؟
قال: ملجمون بلجام من نار.
قال: كيف كلمتني أنت من بينهم؟
قال: إني كنت فيهم ولم أكن على حالهم، فلما جاء البلاء عمَّني معهم، فأنا معلق بشعري في الهاوية لا أدري أكُرْدَس في النار أم أنجو.
فقال عيسى عليه السلام: بحق أقول لكم: لأكل خبز الشعير وشرب ماء القراح، والنوم على المزابل مع الكلاب لكثيرٌ مع عافية الدنيا والآخرة.
وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله - عز وجل: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} [سورة سبأ: 54] قال: كان رجل من بني إسرائيل فاتحاً أن فتح الله له مالًا، فمات، فورثه ابن له تافه - أي: فاسد - وكان يعمل في مال أبيه بمعاصي الله، فلما رأى ذلك إخوان أبيه أتوا الفتى فعَذَلوه ولاموه، فَضَجِر الفتى، فباع عقاره بصامت، ثم رحل فأتى عيناً ثجَّاجة، فسرح فيها ماله، وابتنى قصرًا، فبينما هو ذات يوم جالس إذ شملت عليه الريح بامرأة من أحسن الناس وجهًا وأطيبهم ريحاً، فقالت: من أنت يا عبد الله؟
فقال: أنا امرؤ من بني إسرائيل.
قالت: فلك هذا القصر وهذا المال؟
قال: نعم.
قالت: فهل لك من زوجة؟
قال: لا.
قالت: فكيف يهنيك العيش ولا زوجة لك؟
قال: قد كان ذلك، فهل لك من بعل؟
قالت: لا.
قال: فهل لك أن أتزوجك؟
قالت: إني امرأة منك على مسيرة ميل، فإذا كان غدًا فتزود زاد يوم وائتني، وإن رأيت في طريقك هولًا فلا يهولنَّك.
فلما كان من الغد تزود زاد يوم وانطلق، فانتهى إلى قصر، فقر 5 ع