ثمَّ قال: أخذ الله على الحكام ثلاثة: أن لا يشتروا ثمنًا قليلًا، ولا يتبعوا الهوى، ولا يخشوا الناس، ثمَّ تلا هذه الآية: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ} [سورة ص: 26] الآية.
{فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا} [سورة المائدة: 44] .
وفي معنى كلامه قال والدي في"تفسيره": من الرجز
قَدْ أَخَذَ اللهُ عَلى الْحُكَّام ... ثَلاثَةً أَوَّلُها التَّحامِي
عَنِ الْهَوى والثَّانِيْ أَنْ لا يَخْتَشُوا ... النَّاسَ والثَّالِثُ أَنْ لا يَرْتَشُوا
وروى أبو نعيم عن عكرمة رحمه الله تعالى قال: كانت القضاة ثلاثة - يعني: في بني إسرائيل - فمات واحد، فجعل آخر مكانه، فقضوا ما شاء الله أن يقضوا، فبعث الله - عز وجل - ملكاً على فرس، فمرَّ على
رجل يسقي بقرة معها عجل، فتبع العجل الفرس، فتبعه صاحب العجل فقال: يا عبد الله! عجلي.
فقال الملك: عجلي وهو ابن فرسي، فخاصمه حتى أعياه، فقال: القاضي بيني وبينك، قال: قد رضيت.
قال: فارتفعا إلى أحد القضاة.
قال: فتكلم صاحب العجل، فقال: إنه مرَّ بي على فرسه فدعا عجلي، فتبعه، فأبى أن يرده، قال: ومع الملك ثلاث دُرَّات لم ير الناس مثلها، فأعطى القاضي درة، فقال: اقض لي.
فقال: كيف يسوغ هذا لي؟
قال: تخرج البقرة والفرس، فإذا تبع العجل الفرس عذرت.
قال: ففعل ذلك.
قال: ثم أتى الآخر ففعل مثل ذلك، ثم أتى الثالث وناوله الدرة فلم يأخذها.
وقال: لا أقضي بينكما اليوم؛ فإني حائض.
فقال الملك: سبحان الله هل يحيض الرجل قال: سبحان الله! هل تنتج الفرس عجلًا؟ فقضى لصاحب البقرة.
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمه الله تعالى قال: كان رجل من
بني إسرائيل يعمل بمسحاة له، فأصاب أباه فشجه، فقال: لا يصحبني ما فعل بأبي ما فعل، فقطع يده، فبلغ ذلك بني إسرائيل، ثم إن ابنة الملك أرادت أن تصلي في بيت المقدس فقال: مع من نبعث بها؟ قالوا: فلان، فبعث إليه فقال: أعفني، فقال: لا، قال: فأجلني إذًا أيامًا، قال: فذهب فقطع مذاكيره، فلما برأ وضع مذاكيره في حق، ثم جاء به وخاتمه عليه، فقال: هذه وديعتي عندك فاحفظها.