وذلك ما وقعت إليه الإشارة بقوله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [سورة الأنبياء: 78 - 79] .
وقيل: كان الحرث كرماً.
وروى ابن عساكر عن ابن عباس: أن امرأة حسناء في بني إسرائيل راودها عن نفسها أربعة من رؤسائهم، فامتنعت على كل منهم، فاتفقوا فيما بينهم عليها، فشهدوا عليها عند داود عليه السلام أنها مكنت من نفسها كلباً لها قد عودته ذلك منها، فأمر برجمها، فلما كان عشية ذلك اليوم جلس سليمان عليه السلام، واجتمع معه ولدان مثله، فانتصب حاكماً، وتزيا أربعة بزي أولئك، وآخر بزيِّ المرأة، وشهدوا عليها بأنها مكنت من نفسها كلباً، فقال سليمان: فرقوا بينهم، فسأل أولهم: ما كان لون الكلب؟
فقال: أسود.
فعزله، واستدعى الآخر، فسأله عن لون الكلب.
فقال: أحمر.
وقال الآخر: أغبش.
وقال الآخر: أبيض].
فأمر عند ذلك بقتلهم.
فحكي ذلك لداود عليه السلام فاستدعى من فوره بأولئك الأربعة، فسألهم متفرقين، فسألهم عن ذلك الكلب فاختلفوا، فأمر بقتلهم.
ولعل استفسار داود للشهداء كان بعد رجم المرأة، فلذلك قتلهم قصاصًا.
وفي قصة سليمان وأبيه يقضي الحكم إذا خالف قياسًا جليًا، وأنَّ القاضي العالم إذا اجتهد وأخطأ لا يضره ذلك وهو مأجور، وإنما يأثم القاضي الجاهل وإن اجتهد لأن اجتهاده عن غير علم موافق.
وقد روى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عساكر من طريق حمَّاد بن سلمة عن حميد الطويل: أنَّ إياس بن معاوية لما استقضي أتاه الحسن فرآه حزينًا، وبكى إياس، فقال: ما يبكيك؟
قال: يا أبا سعيد! بلغني أن القضاة ثلاثة: رجل اجتهد فأخطأ فهو في النار، ورجل مال به الهوى فهو في النار، ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة.
فقال الحسن: إنَّ فيما قضى الله تعالى من ثناء داود ما يرد ذلك، ثمَّ قرأ: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ} حتى بلغ: {وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [سورة الأنبياء: 78 - 79] .
فأثنى على سليمان ولم يذم داود.