214 -ومنها: أنهم كانوا مع انهماكهم في المعاصي يتمنون على الله المغفرة.
وهذا غاية الغرور، وهذا يغلب في هذه الأمة على أكثرهم، وربما زَّينه لهم علماء السوء.
قال الله تعالى في بني إسرائيل: وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى
{وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (169) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} [سورة الأعراف: 168 - 170] .
وروى ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} ؛ قال: النصارى.
والظاهر أن الخلف أعم من النصارى، ومنهم ومن هذه الأمة.
وهم - كما رواه أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه: أقوام يقبلون على الدنيا فيأكلونها، ويتبعون رُخَص القرآن، ويقولون: سيغفر لنا.
لا يعرض لهم شيء من أمر الدنيا إلا أخذوه، ويقولون: سيغفر لنا.
وروى سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى في الآية قال: كانوا يعملون بالذنوب، ويقولون: سيغفر لنا.
وقال السدي: كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضياً إلا ارتشى في الحكم، فإذا قيل له يقول: سيغفر لي. رواه أبو الشيخ.
وما أشبه هذا بحال قضاة هذا الزمان وولاته، وأعجب منه من يحسن لهم حالهم، ويطمعهم أن يبلغوا بمجرد الاستغفار آمالهم.
ولقد قال عطاء رحمه الله تعالى في الآية: يأخذون ما عرض لهم من الدنيا، ويقولون: نستغفر الله ونتوب إليه. أخرجه ابن أبي حاتم.
أي: يقولون ذلك من غير إقلاع، بل مع الإصرار.