ولما نطقوا بهذه الكلمة الشنعاء ، وفاهوا بتلك الداهية الدهياء ، أخبر عما جازاهم به سبحانه على صورة ما كان العرب يقابلون به من يستحق الهلاك من الدعاء ، فقال معبراً بالمبني للمفعول إفادة لتحتم الوقوع وتعليماً لنا كيف ندعو عليهم ، ولم يسببه عما قبله بالفاء تقوية له على تقدير سؤال سائل: {غلت أيديهم} دعاء مقبولاً وخبراً صادقاً ، عن كل خير ، فلا تكاد تجد فيهم كريماً ولا شجاعاً ولا حاذقاً في فن ، وإن كان ذلك لم تظهر له ثمرة {ولعنوا} أي أبعدوا مطرودين عن الجناب الكريم {بما قالوا} والمعنى أنهم كما رأوا أحوال المنافقين المقضي في التوراة بأنها إثم وأقروا عليها ، فكذلك نطق بعضهم بكلمة الكفر التي لا أفظع منها ، وسكت عليه الباقون فشاركوه ، ولما كان الغل كناية عن البخل وعدم الإنفاق ، وكان الدعاء بغلهم ولعنهم متضمناً أن الأمر ليس كما قالوا ، ترجمة سبحانه بقوله: {بل يداه} وهو منزه عن الجارحة وعن كل ما يدخل تحت الوهم {مبسوطتان} مشيراً بالتثنية إلى غاية الجود ، ليكون رد قولهم وإنكاره بأبلغ ما يكون في قطع تعنتهم وتكذيب قولهم.
ولما كان معنى هذا إثبات ما نفوه على أبلغ الأحوال ، قال مصرحاً بالمقصود معرفاً أنه في إنفاقه مختار فلا غرو أن يبسط لبعض دون بعض: {ينفق} ولما كان إنفاقه سبحانه تحقيقاً للاختيار على أحوال متباينة بحيث إنها تفوت الحصر ، أشار إلى التعجيب من ذلك بالتعبير بأداة الاستفهام وإن قالوا: إنها في هذا الموطن شرط ، فقال: {كيف} أي كما {يشاء} أي على أي حالة أراد دائماً من تقتير وبسط وغير ذلك.