فأتته وفود العرب فخيرهم بين خطّة مخزية أو حرب مجلية، فاختاروا الخطة المخزية، وكانت أهون عليهم، أن يقروا أن قتلاهم في النار، وأن قتلى المؤمنين في الجنة، وأن ما أصابوا من المسلمين من مال، ردّوه عليهم، وما أصاب المسلمون لهم من مال فهو لهم حلال.
والخلاصة: إن هذا من إعجاز القرآن والنبي صلّى الله عليه وسلّم إذ أخبر عن ارتداد العرب، ولم يكن ذلك في عهده، وكان ذلك غيبا، ووقع ما أخبر به بعد مدة، وأهل الردة- كما بينت- كانوا بعد موته صلّى الله عليه وسلّم. قال ابن إسحاق: لما قبض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ارتدت العرب إلا ثلاثة مساجد: مسجد المدينة، ومسجد مكة، ومسجد جؤاثا، وكانوا في ردتهم على قسمين: قسم نبذ الشريعة كلها وخرج عنها، وقسم نبذ وجوب الزكاة واعترف بوجوب غيرها قالوا: نصوم ونصلي ولا
نزكي فقاتل الصدّيق جميعهم، وبعث خالد بن الوليد إليهم بالجيوش، فقاتلهم وسباهم، على ما هو مشهور من أخبارهم.
2 -أصح ما قيل في نزول قوله تعالى: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ: أنها نزلت في الأشعريين ففي الخبر أنها لما نزلت قدم بعد ذلك بيسير سفائن الأشعريين وقبائل اليمن من طريق البحر، فكان لهم بلاء في الإسلام في زمن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكانت عامة فتوح العراق في زمن عمر رضي الله عنه على يدي قبائل اليمن.
وروى الحاكم في المستدرك بإسناده: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أشار إلى أبي موسى الأشعري، لما نزلت هذه الآية فقال: «هم قوم هذا» .
3 -المؤمنون أذلة على بعضهم، رحماء فيما بينهم، يرأفون بالمؤمنين ويرحمونهم ويلينون لهم، أعزة على الكافرين أشداء عليهم. قال ابن عباس: هم للمؤمنين كالوالد للولد والسيد للعبد، وهم في الغلظة على الكفار كالسبع على فريسته.