ولو قاس المسرف على نفسه ما أحله لنفسه بما حرمه الله عليه لوجد الصفقة بالنسبة له خاسرة . فالذي أسرف بغير حق في أن يأكل مال أحد ، يرى ماله وهو يضيع أمام عينيه . ولنا في ذلك المثل . كان السادة في الريف - قديما - يقومون بتنقية الدقيق إلى درجة عالية حتى يصبح في تمام النقاء من"الردة". ويسمون هذا النوع من الدقيق"الدقيق العَلاَمَة"وكانوا يأكلون منه ويتركون البقية من الدقيق مختلطا بالردة ليأكله الخدم أو الفقراء ، فتأتي فترة يُحرم الأطباء عليهم هذا الدقيق الأبيض ، ولا يجد الواحد منهم طعاما إلا الدقيق"السِّن"الذي كان يرفضه قديما فعلينا - إذن - أن ننظر إليها كقضية سائدة في الكون كله ، ولنجعل قول الله أمامنا:
{فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: 160]
فأنت إن أخذت كسب يد واحدة يحرمك الحق من يدٍ لا من كسب . فإن زدت حرمك الله من جارحة أخرى ، وهكذا . وتلك سُنَّة كونية تعدل نظام الكون بالنسبة للناس ، وخصوصا من يستبطئون جزاء الآخرة ، ومن يُغْريهم ويَغُرهم ويطمعهم حِلْم الله عليهم .