قال فيه:"المستقرأ من وجوه القراآت أن العامة لا تتفق فيها أبداً على العدول عن الأفصح ، وجدير بالقرآن أن (يحرز) أفصح الوجوه وأن لا يخلو من الأفصح و (ما) يشتمل عليه كلام العرب الذي لم يصل أحد منهم إلى ذروة فصاحته ولم يتعلق بأهدابها ، وسيبويه يحاشى من اعتقاد عراء القرآن عن الأفصح واشتمال الشاذ الذي لا يعدّ من القرآن عليه ، ونحن نورد الفصل من كلام سيبويه على هذه الآية ليتضح لسامعه براءة سيبويه من عهدة هذا النقل ، قال سيبويه في ترجمة باب الأمر والنهي بعد أن ذكر المواضع التي يختار فيها النصب وملخصها: أنه متى بني الاسم على فعل الأمر فذاك موضع اختيار النصب ، ثم قال كالموضح لامتياز هذه الآية عما اختار (فيه) النصب: وأما قوله عز وجل: {والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا} وقوله تعالى: {الزانية والزانى فاجلدوا} [النور: 2] فإن هذا لم يبن على الفعل ولكنه جاء على مثال قوله عز وجل: {مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون} ثم قال سبحانه بعد: {فِيهَا أَنْهَارٌ} [محمد: 15] منها كذا ، يريد سيبويه تمييز هذه الآي عن المواضع التي بين اختيار النصب فيها ، ووجه التمييز أن الكلام حيث يختار النصب يكون الاسم فيه مبنياً على الفعل ، وأما في هذه الآي فليس بمبني عليه فلا يلزم فيه اختيار النصب ، ثم قال: وإنما وضع المثل للحديث الذي ذكره بعده فذكر أخباراً وقصصاً ، فكأنه قال: ومن القصص مثل الجنة فهو محمول على هذا الإضمار والله تعالى أعلم ، وكذلك الزانية والزاني لما قال جل ثناؤه: {سُورَةٌ أنزلناها وفرضناها} [النور: 1] قال جل وعلا في جملة الفرائض: {الزانية والزانى} ثم جاء {فاجلدوا} [النور: 2] بعد أن مضى فيهما الرفع يريد سيبويه لم يكن الاسم مبنياً على الفعل المذكور بعد ، بل بني على محذوف متقدم ، وجاء الفعل طارئاً ، ثم قال: كما جاء وقائلةٍ خولان فانكح فتاتهم ، فجاء بالفعل"