وأما الحدود الأخرى من حدود المسكرات والمخدرات والقذف والزنى إذا ارتكبوها في أثناء حرابتهم، فهل تسقط؛ لقد قال الإمام مالك: الذي جعلها تدخل في ضمن أعمال المحاربين، ويعاقبون من أجلها، ويعدون محاربين، ولو قصروا عملهم على ارتكابها، كالعصابات التي تتجر في أعراض النساء، وتسمى في لغة العصر. (الاتجار في الرقيق الأبيض) ، قال مالك فيها: إن التوبة تجبها، لأنها داخلة في الحرابة وهي حقوق الله تعالى، وقد وعد سبحانه بغفرانها إذا ارتكبوها وتابوا قبل القدرة عليهم، وهي حقه، وهو سبحانه غفور رحيم. وقال الشافعية: لَا تسقط؛ لأنها غير داخلة في الحرابة، والتوبة هنا تكون توبة خاصة بها، ولا تكون توبة الحرابة شاملة لها، فإن تابوا عنها توبة خاصة - والأصغر يدخل في الأكبر - بها قبلت ما عدا القذف، وقال أبو حنيفة: لَا تقبل عنها توبة ولو خاصة، وقال الحنابلة: تدخل التوبة عنها في ضمن التوبة عن الحرابة، لأنها أصغر منها.
هذه أحكام قطاع الطريق الذين سماهم القرآن الكريم محاربين لله ولرسوله، وسمى الفقهاء عملهم حرابة، وقد تكون العقوبة شديدة في مظهرها، ولكن لو وزنت بالجرائم، ونظر فيها إلى الأثر لكانت منطقية وضرورية، وسل الذين تنفطر قلوبهم شفقة على المجرمين، كم ترتكب العصابات في أمريكا من جرائم قتل، وجرائم سرقات، وإفساد للضمائر، وإشاعة للرشوة وتهديد للأمن حتى تقف الحكومات مكتوفة أمامهم، سلهم ليوازنوا بين العقوبة العادلة، والجريمة الظالمة، سلهم إن كانوا يدركون وينطقون والله هو العزيز الحكيم، وشرعه هو العدل الرحيم.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(35)