فإذا أخذنا الأرض بالمعنى العام فحكمها حُكم"اسكنوا الأرض". والنفي هو صورة من صور العقوبات للإفساد ، والإفساد في الأرض ينقسم إلى أربعة أقسام ؛ قتل ، قتل وأخذ مال ، أخذ مال فقط ، ترويع . وقد زاد رسول الله صلّى الله عليه وسلم شيئاً وفعله في سيرته ، فقد جاء بنا بأمر جديد في أمر الإفساد . وكان على العلماء أن ينتبهوا له ، فأول نفي حصل في الإسلام كان نفي رسول الله الحَكَم بن أبي العاص من المدينة إلى الطائف ؛ لأن الحكم - والعياذ بالله - كان يُقلّد مِشّيَة النبيّ باستهزاء ، وكان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا مشى تكفأ تكفؤاً كأنما يَتَحدَّر من صَبَبٍ . فقد كانت مشية النبي مشية خاصة . وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الحَكَمَ يقلد مِشيته في استهزاء والتفت النبي - ذات مرة - فجأة ، فوجد الحكم يقلده في مِشيته فنفاه من المدينة إلى الطائف ، وظل الحكم في الطائف طوال حياة رسول الله صلّى الله عليه وسلم .
فلما جاءت خلافة أبي بكر الصديق ، ذهب أهل الحَكَم إلى أبي بكر ، فقال:
-ما كنت لأحلّ عقدة عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم . وذهبوا إلى عمر بن الخطاب فلم يوافق . وعندما جاءت خلافة عثمان وكان رضي الله عنه حَيياً وخجولاً فقال: لقد أخذت كلمة من رسول الله صلّى الله عليه وسلم تحمل شبهة الإفراج عنه . ويفرج عنه عثمان بن عفان رضي الله عنه .
وأثناء حياة الحَكَم في الطائف كان يربي بعض شُويهات وبعض غُنيمات وكان يرعاها عند جبيلات الطائف . وكان لهذه المسألة آثار من بعد ذلك . فأنتم تعلمون أن معاوية رضي الله عنه أنجب يزيد الذي تولّى الخلافة من بعده . وانتقلت الخلافة بعد يزيد لآل مروان بن الحَكَم .