وفوق ذلك ما يزال هذا المبدأ باقيا في التوراة ولم يندثر فيها، مع أنهم حرفوا ما حرفوا، والأنبياء الذين سبقوا يعقوب، وليست كتبهم قائمة في أيدي الناس في عصر التنزيل، كما بقيت التوراة مع تحريفهم فيها الكلم عن مواضعه - وكانت شريعة القصاص باقية بعد هذا التحريف.
ثم إن بني إسرائيل قد كتبت عليهم شريعة القصاص كما كتبت على غيرهم من قبلهم ومن بعدهم، ومع ذلك هم أشد الناس إسرافا في قتل الأبرياء والأطهار، وما أشبههم في قتلهم أنبياءهم ودعاة الحق بقابيل الذي قتل أخاه هابيل، فهو قتله لما ظهر فيه من خير، وهم قد قتلوا أنبياءهم، لأنهم دعوهم إلى الخير.
ثالثا - أن الله تعالى عندما بين شريعة القصاص، قد ذكر الباعث عليها، وحكمتها، وما يؤدي إليه تنفيذها، واكتفى ببيان ذلك مكتفيا بما فصلته شرائع النبيين فيها، وما أتت به من بينات؛ ولذلك قال تعالى:
(أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) هذا هو ما كتبه الله تعالى، وهو أن من قتل نفسا بغير حق شرعي مبيح لها، فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا، وقد بين القرآن الكريم متى يكون القتل بغير حق مشيرا بإيجازه المعجز إلى القتل بحق، فبين أن القتل بغير حق، هو ألا يكون في نظير نفس، فالقتل قصاصا لَا يكون إلا بالحق ولكن بعد أن يقرر القضاء أنه يجب القصاص، أو يمكَّن ولي الدم من القصاص، وكذلك القتل لمنع الفساد في الأرض، كقتل الذين يعتدون على الجماعات المؤمنة، ويرهقونهم في تدينهم، أو من يرتدُّون ليفسدوا عقائد المؤمنين، أو الزنادقة الذين يفسدون العقائد، أو أهل الدعارة والفساد من أهل الحرابة الذين يخرجون على الجماعات ويحاربون النظم التي قررها الشرع الشريف، وهكذا، فإذا كان القتل لغير هذين الأمرين، فهو قتل بغير حق، ومن فعل ذلك فكأنما قتل الناس جميعا.