وهنا قالت امرأة سيدنا إبراهيم: {ياويلتى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} [هود: 72]
أي أن الأسباب لا تعطى ، ورُدّت إلى المُسبّب . (أتعجبين من أمر الله) ؟ كان لك أن تتعجبي من الأسباب لأنها تعطلت ، أما حين تصل الأسباب إلى الله ، فلا عجب .
وقال سيدنا زكريا عليه السلام مثل قولها ؛ فحين رأى السيدة مريم وهو الذي كَفلها ، وكان يجيء لها بمطلوبات مقومات حياتها ، وفُوجئ بأن عندها رزقا من طعامٍ وفاكهة . فسألها: {يامريم أنى لَكِ هذا} [آل عمران: 37]
كيف يقول لها ذلك؟ لا بد أنه رأى شيئا عندها لم يأتِ هُو به ، وهنا ردَّت عجبه لتنبهه بالحقيقة الخالدة: {هُوَ مِنْ عِندِ الله إِنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37]
وبشاء الحق أن تقولها سيدتنا مريم وهي صغيرة السن ، وكأنها تقول ذلك كتمهيد ؛ لأنها - كما قلنا سابقا - ستتعرض لمسألة لا يمكن أن يحلها إلا المُسبِّب ، فسوف تلدِ بدون رُجولة ، وهي مسألة عجيبة ، لذلك كان لا بد أن تفهم هي وأن تنطق: {هُوَ مِنْ عِندِ الله إِنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37]
وكأن الحق ينبئها ضمناً بأن عليها أن تتذكّر أنها هي التي قالت هذه الكلمة ؛ لأن المستقبل سوف يأتي بك بأحداث تحتاج إلى تذكُر هذا القول . وهي التي تُذكِرّ سيدنا زكريا عليه السلام بهذه الحقيقية . ولنر دِقّة إشارة القرآن إلى الموقع الذي ذكرت له مريم فيه تلك الحقيقة: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} [آل عمران: 38]
كأن ساعة سمع هذه المسألة قرّر أن يدعو الله بأمنيته في المحراب نفسه . وهل كان سيدنا زكريا لا يعرف تلك الحقيقة؟ كان يعرفها ، ولكن هناك فرق بين حكم يكون في حاشية الشعور ، وبين حكم يكون في بؤرة الشعور .