وقول مريم لزكريا: {هُوَ مِنْ عِندِ الله إِنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} جعل القضية تنتقل من حاشية الشعور إلى بؤرة الشعور . {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} [آل عمران: 38]
لماذا لم يدعُ ربَّه من البداية؟ . كان سيدنا زكريا سائراً مع الأسباب ورتابة الأسباب قد تذهل وتُشغل عن المُسبِّب ، وعندما سمع من مريم: {يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} أراد أن يدخل من هذا الباب ، فدعا ربه ؛ وبشّره الحق بأنه سيأتي له بذريّة ، وتعجّب زكريا مرّة أخرى من هذا الأمر شارحاً حالته:
{وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر وامرأتي عَاقِرٌ} [آل عمران: 40]
ومادمت يا زكريا قد دعوت الله أن يهبك الذّرّية وقفزت قضية رزق الله لمن يشاء من حاشية شعورك إلى بؤرة شعورك . فقد جاء أمر الله: {كذلك قَالَ رَبُّكَ} [مريم: 9]
إذن فلا بحث في الأسباب والمسببات . فهي إرادة الله . ويوضح الحق حيثيّات {إِنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} ويأتيك بالولد ؛ فيقول سبحانه: {هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} [مريم: 9]
وكل هذه مقدمات من مريم ومن سيدنا زكريا الكفيل لها ؛ ذلك أن سيدنا زكريا سوف يكون عنصراً شاهداً عندما يأتيها الولد من غير أب وتلد ، وهو كفيل لها ، وهو الذي سيتعرض لهذا الأمر .
ولماذا كل هذا التمهيد؟ ؛ لأن خرق الأسباب وخرق النواميس وخرق السُنن إنما حدث في أمور أخرى غير العِرْض ، لكن عند مريم سيكون ذلك في العِرض وهو أقدس شيء بالنسبة للمرأة ، لذلك لابد من كل هذه التمهيدات . إذن ، هو أمر عجيب لكنه ليس بعجيب على الله .