وللإجابة على المسألة الأولى نقول: للمفسرين أقوال في المراد من الكتابة في قوله - تعالى - ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ أشهرها قولان:
أولهما: أن معنى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ: أمركم بدخولها، وفرضه عليكم كما أمركم بالصلاة والزكاة فالكتب هنا مثله في قوله - تعالى - كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ: أي: فرض عليكم وهذا قول قتادة والسدى والثاني: أن معنى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ قدرها لكم وقضى أن تكون مساكن لكم دون الجبارين. وهذا القضاء مشروط بالإيمان، وطاعة الأنبياء، والجهاد في سبيل نصرة الحق، فإذا لم يكونوا كذلك - وهم لم يكونوا كذلك فعلا - لم يتحقق لهم التمكين في الأرض المقدسة، ولذا بعد أن أغراهم نبيهم موسى - عليه السلام - بدخولها، حذرهم من الجبن والعصيان فقال لهم: وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ.
قال الآلوسي: «وترتيب الخيبة والخسران على الارتداد يدل على اشتراط الكتب بالمجاهدة المترتبة على الإيمان قطعا» .
وقال ابن عباس: كانت هبة من الله لهم ثم حرمها - سبحانه - عليهم بشؤم تمردهم وعصيانهم.
وقال الفخر الرازي: إن الوعد بقوله كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ مشروط بقيد الطاعة فلما لم يوجد الشرط لا جرم لم يوجد المشروط».
والخلاصة أن الكتابة في قوله - تعالى - كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ: إما أن تكون تكليفية على معنى: أن الله - تعالى - كتب عليكم وفرض أن تدخلوها مجاهدين مطيعين لنبيكم فإذا خالفتم ذلك حقت عليكم العقوبة.
وإما أن تكون كتابة قدرية. أي: قضى وقدر - سبحانه - أن تكون لكم متى آمنتم وأطعتم. وبنو إسرائيل ما آمنوا وما أطاعوا، بل كفروا وعصوا فحرمها - سبحانه - عليهم.
وبذلك ترى أن دعوى اليهود بأن الأرض المقدسة ملك لهم، بدليل قوله - تعالى - كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ لا أساس لها من الصحة ولا يشهد لها عقل أو نقل.