إن بين الخلق وبين أسماء الله تعالى مناسبات عجيبة ، والعاقل لا بدّ وأن يعتبر تلك المناسبات حتى ينتفع بالذكر ، والكلام فِي شرح هذا الباب مبني على مقدمة عقلية وهي أنه ثبت عندنا أن النفوس الناطقة البشرية مختلفة بالجوهر والماهية ، فبعضها إلهية مشرقة حرة كريمة ، وبعضها سفلية ظلمانية نذلة خسيسة ، وبعضها رحيمة عظيمة الرحمة ، وبعضها قاسية قاهرة ، وبعضها قليلة الحب لهذه الجسمانيات قليلة الميل إليها ، وبعضها محبة للرياسة والاستعلاء ، ومن اعتبر أحوال الخلق علم أن الأمر كما ذكرناه ثم إنا نرى هذه الأحوال لازمة لجواهر النفوس ، وإن كل من راعى أحوال نفسه علم أن له منهجاً معيناً وطريقاً مبيناً فِي الإرادة والكراهة والرغبة والرهبة ، وأن الرياضة والمجاهدة لا تقلب النفوس عن أحوالها الأصلية ومناهجها الطبيعية ، وإنما تأثير الرياضة فِي أن تضعف تلك الأخلاق ولا تستولي على الإنسان ، فأما أن ينقلب من صفة أخرى فذلك محال ، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام:"الناس معادن كمعادن الذهب والفضة"وبقوله عليه الصلاة والسلام:"الأرواح جنود مجندة"إذا عرفت هذا فنقول: الجنسية علة الضم ، فكل اسم من أسماء الله تعالى دال على معنى عين ، فكل نفس غلب عليها ذلك المعنى كانت تلك النفس شديدة المناسبة لذلك الاسم ، فإذا واظب على ذكر ذلك الاسم انتفع به سريعاً ، وسمعت أن الشيخ أبا النجيب البغدادي السهروردي كان يأمر المريد بالأربعين مرة أو مرتين بقدر ما يراه من المصلحة ، ثم كان يقرأ عليه الأسماء التسعة والتسعين وكان ينظر إلى وجهه فإن رآه عديم التأثر عند قراءتها عليه قال له أخرج إلى السوق واشتغل بمهمات الدنيا فإنك ما خلقت لهذا الطريق ، وإن رآه متأثراً عند سماع اسم خاص مزيد التأثر أمره بالمواظبة على ذلك الذكر ، وأقول: هذا هو المعقول ، فإنه لما كانت النفوس مختلفة كان كل واحد منها مناسباً لحالة مخصوصة ، فإذا اشتغلت تلك