يَقُولُ: وَإِنْ تَجْحَدُوا وَصِيَّتَهُ إِيَّاكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فَتُخَالِفُوهَا {فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} يَقُولُ: فَإِنَّكُمْ لَا تَضُرُّونُ بِخِلَافِكُمْ وَصِيَّتَهُ غَيْرَ أَنْفُسِكُمْ , وَلَا تَعْدُونَ فِي كُفْرِكُمْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونُوا أَمْثَالَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي نُزُولِ عُقُوبَتِهِ بِكُمْ وَحُلُولِ غَضَبِهِ عَلَيْكُمْ كَمَا حَلَّ بِهِمْ , إِذْ بَدَّلُوا عَهْدَهُ وَنَقَضُوا مِيثَاقَهُ , فَغَيَّرَ بِهِمْ مَا كَانُوا فِيهِ مِنْ خَفْضِ الْعَيْشِ وَأَمْنِ السِّرْبِ , وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ لَهُ مُلْكَ جَمِيعِ مَا حَوَتْهُ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَرَادَهُ بِجَمِيعِهِ وَبِشَيْءٍ مِنْهُ مِنْ إِعْزَازِ مَنْ أَرَادَ إِعْزَازَهُ وَإِذْلَالِ مَنْ أَرَادَ إِذْلَالَهُ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ كُلِّهَا , لِأَنَّ الْخَلْقَ خَلْقُهُ بِهِمْ إِلَيْهِ الْفَاقَةُ وَالْحَاجَةُ , وَبِهِ قَوَامُهُمْ وَبَقَاؤُهُمْ وَهَلَاكُهُمْ وَفَنَاؤُهُمْ , وَهُوَ الْغَنِيُّ الَّذِي لَا حَاجَةَ تَحِلُّ بِهِ إِلَى شَيْءٍ وَلَا فَاقَةَ تَنْزِلِ بِهِ تَضْطَرُّهُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَلَا إِلَى غَيْرِكُمْ , وَالْحَمِيدُ الَّذِي اسْتَوْجَبَ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْخَلْقُ الْحَمْدَ بِصَنَائِعِهِ الْحَمِيدَةِ إِلَيْكُمْ وَآلَائِهِ الْجَمِيلَةِ لَدَيْكُمْ , فَاسْتَدِيمُوا ذَلِكَ أَيُّهَا النَّاسُ بِاتِّقَائِهِ , وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى طَاعَتِهِ فِيمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ وَيَنْهَاكُمْ عَنْهُ.
عَنْ عَلِيٍّ , رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: {وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا} قَالَ:"غَنِيًّا عَنْ خَلْقِهِ {حَمِيدًا} قَالَ: «مُسْتَحْمِدًا إِلَيْهِمْ» "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (132) }
يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَلِلَّهِ مُلْكُ جَمِيعِ مَا حَوَتْهُ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ , وَهُوَ الْقَيِّمُ بِجَمِيعِهِ , وَالْحَافِظُ لِذَلِكَ كُلِّهِ , لَا يَعْزُبُ عَنْهُ عِلْمُ شَيْءٍ مِنْهُ , وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُ وَتَدْبِيرُهُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا وَجْهُ تَكْرَارِ قَوْلِهِ: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} فِي آيَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا فِي إِثْرِ الْأُخْرَى؟