وقد اقتضت رحمة الله بالناس ، ألا يحق عليهم القول ، ولا يصلوا جهنم وساءت مصيراً ، إلا بعد أن يرسل إليهم رسولاً. وبعد أن يبين لهم. وبعد أن يتبينوا الهدى. ثم يختاروا الضلالة. وهي رحمة الله الواسعة الحانية على هذا المخلوق الضعيف. فإذا تبين له الهدى. أي إذا علم أن هذا المنهج من عند الله. ثم شاق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيه ، ولم يتبعه ويطعه ، ولم يرض بمنهج الله الذي تبين له ، فعندئذ يكتب الله عليه الضلال ، ويوليه الوجهة التي تولاها ، ويلحقه بالكفار والمشركين الذين توجه إليهم. ويحق عليه العذاب المذكور في الآية بنصه:
{ومن يشاقق الرسول - من بعد ما تبين له الهدى - ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ماتولى ، ونصله جهنم. وساءت مصيراً!} ..
ويعلل النص هذا المصير البائس السيئ ، بأن مغفرة الله - سبحانه - تتناول كل شيء .. إلا أن يشرك به.. فهذه لا مغفرة لمن مات عليها:
{إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك - لمن يشاء - ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً} ..
والشرك بالله - كما أسلفنا في هذا الجزء عند تفسير مثل هذه الآية من قبل - يتحقق باتخاذ آلهة مع الله اتخاذاً صريحاً على طريقة الجاهلية العربية وغيرها من الجاهليات القديمة - كما يتحقق بعدم إفراد الله بخصائص الألوهية ؛ والاعتراف لبعض البشر بهذه الخصائص. كإشراك اليهود والنصارى الذي حكاه القرآن من أنهم {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} ولم يكونوا عبدوهم مع الله. ولكن كانوا فقط اعترفوا لهم بحق التشريع لهم من دون الله. فحرموا عليهم وأحلوا لهم. فاتبعوهم في هذا.
ومنحوهم خاصية من خصائص الألوهية! فحق عليهم وصف الشرك. وقيل عنهم إنهم خالفوا ما أمروا به من التوحيد {وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً} فيقيموا له وحده الشعائر ، ويتلقوا منه وحده الشرائع والأوامر.