وأما سن الكهولة فإنه يكون الإنسان فيه في غاية الاعتدال، ويتم فيه عقله، وترسَخُ فيه طبيعته، ويستوي أشده، ولذلك لم يبعث الله تعالى نبيًا إلا على رأس الأربعين إلا ما كان من عيسى ويحيى عليهما السلام.
وقوله - صلى الله عليه وسلم:"ما بَعَثَ اللهُ نبِيًّا إِلاَّ شابًّا". رواه ابن مردويه، والضياء المقدسي في"الأحاديث المختارة"؛ معناه: كامل الشباب، وذلك في سن الأربعين.
و قال عبد الله بن داود: كان كثير من السلف في أمر دنياهم، حتى إذا بلغوا أربعين سنة طوى فراشه.
وروى أبو أحمد العسكري في"المواعظ"عن هلال بن يساف قال: كان الرجل من أهل المدينة إذا بلغ أربعين سنة تفرغ لعبادة ربه.
وعن هذا كني عبد الله بن داود بطَيِّ الفراش.
فمن بلغ سن الاعتدال فلم يعتدل في طاعة الله تعالى، فذلك دليل تفريطه في جنب الله تعالى، وغلبة الهوى على عقله، لكنه في وقت التدارك والحذر والخوف.
قال الشيخ زين الدين بن رجب في"لطائفه": وفي الحديث:"إِنَّ اللهَ تَعالَى يَقُولُ لِلْحَفَظَةِ: ارْفَقُوا بِعَبْدِي ما دامَ فِي حَداثَتِهِ، فَإِذا بَلَغَ الأَرْبَعِينَ فَحَقِّقا وَتَحَفَّظا".
وكان بعض رواته يبكي عند روايته، ويقول: كبرت السن، ورق العظم، ووقع التحفظ.
وقال مسروق: إذا بلغت الأربعين فخذ حَذَرَك.
وأخرجه أبو أحمد العسكري في"المواعظ"عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
وأنشد لابن دريد: من المتقارب
إِذا ما الفَتَى جاوَزَ الأَرْبَعِينَ ... وَلَمْ يَعْقُبِ النَّقْصَ مِنْهُ الكَمالا
وَلَمْ يَتْبَعِ الْعُصْبَةَ الزَّاهِدِينَ ... وَينْفِي الْحَرامَ وَيبْغِي الْحَلالا
فَلا تَرْجُهُ طُولَ أَيَّامِهِ ... فَلَيْسَ يَزِيدك إِلاَّ خَبالا
وأما سن الشيخوخة فيغلب على الإنسان فيه البرودة واليبس، فتخف عنه الشهوة وتضعف، فلا يبقى لصاحبه عذر في اتباع الهوى، وهو السن الذي قال الله تعالى فيه: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} [سورة فاطر: 37] .