وكان محمد بن سليمان يجري على رجل شيئا، فغضب عليه فقطعه، ثم رضي عنه فردّه، فأبى الرجل أن يقبله.
وقال: إني كنت أظن أن إعطاءه مكرمة، فأما وقد صار غضبه يقطعه فلا حاجة لي فيه.
من عطاؤه لا ينقطع
قال الأعشى:
وليس عطاء اليوم مانعه غدا
وقال ابن الرومي:
نوالك كالسيل المسهل بعضه ... لبعض طريق الجري في السّهل والوعر
وقال آخر:
كلّما عدنا لنائله ... افتررنا جوده جذعا
وقال آخر:
وما كان نفعك لي مرّة ... ولا مرتين ولكن مرارا
وقال الحطيئة:
وما أجم المعروف من طول كره ... وأمرى بأفعال الندى وافتعالها
المتجنّب لفظ المنع
قال بعضهم: فلان خلقت نعم للسانه قبل أن خلق لسانه، فاجتنب «لا» ولزم «نعم» .
وقال لبيد:
وبنو الديّان أعداء للا ... وعلى ألسنهم ذلّت نعم
وأنشد عبد الرحمن الكندي:
لو قيل للعبّاس يا ابن محمّد ... قل لا، وأنت مخلّد ما قالها
فقال: ليس يجب أن يقول الإنسان في كل شيء نعم، وكان الوجه أن يستثني. ثم قال:
هجرت في القول لا إلا لنائبة ... تكون أولى بلا في اللفظ لا بنعم
ويستحسن قول الآخر:
لا فرق في ناطق بالشرك عندهم ... وناطق في جواب السائلين بلا
وقال العتبي:
ما قال لا إلّا لعذّاله ... وهو بها عن سائل أعجم
من هو مقصد العفاة
قيل: أطيب الناس عيشا من كثرت عفاته وعاش الناس في كنفه.
وقيل: فلان داره مجمع عفاته ومربع عطياته.
قال أبو نواس:
ترى النّاس أفواجا على باب داره ... كأنّها رجلا دبى وجراد
وقال وهب الهمداني:
فتى داره معمورة بعفاته ... ومجلسه بالمكرمات منجد
وقال أشجع:
على باب ابن منصور ... علامات من البذل
جماعات وحسب البا ... ب فضلا كثرة الأهل
وقال بشار:
يطوف العفاة بأبوابه ... كطوف الحجيج ببيت الحرم
وقال البديهي:
وللجود حسن أيّ وقت بذلته ... وأحسنه ما كان في زمن المحل
باعث رفده إلى تارك قصده
قال الحجّاج يوما: قلّ عفاتنا، فقال رجل: أصلح الله الأمير إنك أكثرت خير البيوت فاستغنى الناس بما يصل إليهم عن الترحال، فسرّ الحجاج.
وقال: بارك الله فيك وأحسن إليه.
أنشد مروان بن أبي حفصة قول الشاعر:
إذا جئت أعطاني وإن أنا لم أجئ ... أتاني من جدواه ما كنت أرتجي
فقال مروان قد قلت أحسن من هذا، بعث إليّ عبد الله بن طاهر عشرين ألفا فقلت فيه:
لعمري لنعم الغيث غيث أصابنا ... ببغداد من أرض الجزيرة وابله
ونعم الفتى، والبيد بيني وبينه ... بعشرين ألفا صبّحتنا رسائله