الأول: قال بعضهم: إنه مُسْتَثْنَى من فَاعِل"اتبعتم"أي: لاتَّبعتم الشيطان إلا قليلاً منكم ، فإنه لم يتَّبع الشَّيْطَان ، على تقدِير كَوْن فَضْل الله لم يأته ، ويكونُ أرادَ بفضل الله الإسلام وإرسَالَ محمَّد صلى الله عليه وسلم ، ويكون قوله: {وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشيطان} كلام تامٌّ ، [وذلك القَلِيلُ ؛ كقِسٍّ بن سَاعِدة الإيَادِي ، وزَيْد بن عَمْرو بن نُفَيْل ، وورقة بن نوفل ، وجماعة سِوَاهم مِمَّن كان على دِين المَسِيحِ قَبل بَعْثَةِ الرسول] .
وقال أبو مُسْلم: المراد بِفَضْل الله ورحمته في هذه الآية: هو نُصْرتهُ ومعُونتهُ اللَّذان تمنَّاهُما المُنَافِقُون ؛ بقولهم: {فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً} [النساء: 73] بيَّن - تعالى - أنّه لولا حُصُول النَّصْر والظّفَرِ على سبيل التَّتَابُع ، لاتَّبَعْتُم الشَّيْطَان وتركتم الدين إلاَّ قليلاً مِنْكُم ، وهم أهْل البَصَائِر النَّافِذة ، والنِّيَّات القويَّة ، والعَزَائم المُتَمكِّنَةِ من أفَاضِل المُؤمِنِين ، الذين يَعْلَمُون أنه لَيْس من شَرْطِ كونه حَقّاً هو الدَّوْلَة في الدُّنْيَا ، فلأجل تَوَاتُر الفَتْح والظَّفر في الدُّنْيَا يدل على كَوْنه حَقاً ؛ ولأجل تواتر الهَزِيمَة والانكِسَار يدلُّ على كونه بَاطِلاً ، بل الأمْر في كونه حَقاً وباطلاً على الدَّلِيل ، وهو أحْسَن الوُجُوه.
[وقيل: المُرَادُ مَنْ مَنْ لم يَبْلغ التكْلِيف ، وعلى ذها التَّأويل قيل: فالاستثْنَاء مُنْقَطِع ؛ لأن المُسْتَثْنَى لم يَدْخُل تحت الخِطَاب ، وفيه نظر يظهر في الوَجْهِ العَاشِر.
الثاني: أنه مُسْتَثْنى من فَاعِل"عَلِمه"أي: لعلمه المُسْتَنْبِطُون منهم إلا قَلِيلاً].