هذا كله مع العلماء على أن الشرع لم يأت بما ينافى العقل، ولا يجوز فيه، بل بما قد لا يدركه العقل مع إمكانه في نفسه. ولهذا قال أرسطوا - على ما حكى عنه هذا النصراني في كتابه هذا الذي نحن بصدر مناقضته في بيان
ضرورة النبوة للخلق - قال:"إن الحال في عقولنا عند النظر إلى المبادئ الأولى، كحال الخفاش عند النظر إلى الشمس، أعني أن الشمس في غاية الظهور في نفسها، وهي خفية عند الخفاش لضعف إبصاره".
وحكى أيضا هذا النصراني عن"ابن رشد"المالكي من المسلمين أنه قال:"لم يقل أحد في العلوم الإلهية قولا يعتد به، ولم يعصم أحد من الخطأ فيها، إلا من عصمه الله بأمر إلهى خارج عن طبيعة الإنسان وهم الأنبياء".
وحكى عن"أرسطو"أيضا أنه قال في كتاب"الأسباب":"العلة الأولى أعلى من أن توصف، ولا تعجز الألسنة عن وصفها، إلا لأنها فوق كل علة"وحكى عن"أبى حامد"- هو الغزالي - شيئا في معنى ذلك عزاه إلى (كيمياء السعادة، وإلى"المقصد الأسنى".
قلت: والحاصل من هذا: أن إدراك الشيء قد يمتنع تارة لضعف المدرك كنظر الخفاش، وتاره لخفاء المدرك كالسها عند بعض الناس، كما أن التأثير قد يمتنع في الأمور الفعلية والانفعالية تارة لضعف الفاعل. كالسيف الكال وتارة لصعوبة القاتل أو ما لبسه مانع له، كالجسم الصلب إذا ضرب بالسيف ونحوه.
وفائدة هذه المقدمة: أن نحيل عليها بالجواب عن كل حديث أورده هذا السائل من السنة الإسلامية مما يقصر العقل عن إدراك مضمونه، أو يدركه على تعسف، أو بتأويل بعيد.
وقد ساعدنا هو على ذلك بما ذكره عن الحكيم"أرسطو"فكان هذا الخصم كالجادع مارن أنفه بكفه، والباحث عن حتفه بظلفه.
وأيضا: فإن من الطرق العامة التي لا يستغنى عنها في كل شريعة، أو في غالب الشرائع: