ولا تنقصون شيئا مهما قلّ كالفتيل (ما يكون في شقّ نواة التمر كالخيط) من أعمالكم، بل توفونها أتمّ الجزاء. وهذا تسلية لهم عن الدّنيا، وترغيب لهم في الآخرة، وتحريض لهم على الجهاد.
وإن الموت أمر محتم لا مفرّ منه، وأنتم صائرون إلى الموت لا محالة، ولا ينجو منه أحد ولو كان في قصر محصن منيع مرتفع مشيد، فملك الموت لا تحجزه حواجز ولا تعوقه عوائق، كما قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران 3/ 185] ، وقوله: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ [الرحمن 55/ 26] ، وقوله: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ [الأنبياء 21/ 34] . وإذا كان الموت مصير الخلائق جميعهم، وفي أجل محدود لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون، فلا خشية من الجهاد، فسواء جاهد الإنسان أو لم يجاهد، فإن له أجلا محتوما ومقاما مقسوما، كما قال خالد بن الوليد حين جاء الموت على فراشه: «لقد شهدت كذا وكذا موقفا، وما من عضو من أعضائي إلا وفيه جرح من طعنة أو رمية، وها أنا أموت على فراشي، فلا نامت أعين الجبناء» . وكم من محارب نجا، وقاعد على فراشه عن الحرب مات حتف أنفه.
ثم ذكر سبحانه وتعالى ما يتعجب منه بسبب مقالة أولئك المنافقين، فإذا أصابتهم حسنة من غنيمة أو خصب أو رزق من ثمار وزروع وأولاد ونحو ذلك،
قالوا: هذه من عند الله ومن فضله وإحسانه، لا دخل لأحد فيها، وإذا أصابتهم سيئة من هزيمة أو قحط وجدب ونقص في الثمار والزروع أو موت الأولاد أو النتاج أو غير ذلك، قالوا: هذه من قبلك يا محمد، وبسبب اتّباعنا لك واقتدائنا بدينك، كما قال الله تعالى عن قوم فرعون: فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا: لَنا هذِهِ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ، أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ [الأعراف 7/ 131] ، وكما قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ الآية [الحج 22/ 11] .