والقرآن الكريم يصدق هذا الحدس قال تعالى: (ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (الأنفال: 53) فلما في أنفسهم من النيات الطاهرة والأعمال الصالحة دخل في النعمة التي خصوا بها فإذا غيروا غير الله بإمساك رحمته وقال: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير) (الشورى: 30) فلأعمالهم تأثير في ما ينزل بهم من النوازل ويصيبهم من المصائب والله يعفو عن كثير منها.
وقال تعالى: (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) (الآية النساء: 79) .
وإياك أن تظن أن الله سبحانه حين أوحى هذه الآية إلى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) نسى الحقيقة الباهرة التي أبانها بقوله: (الله خالق كل شيء) (الزمر - 62) وقوله: الذي أحسن كل شيء خلقه) (السجدة: 7) فعد كل شيء مخلوقا لنفسه حسنا في نفسه وقد قال: (وما كان ربك نسيا) (مريم: 64) وقال: لا يضل ربى ولا ينسى) (طه: 52) فمعنى قوله (ما أصابك من حسنة) (الآية) أن ما أصابك من حسنة - وكل ما أصابك حسنة - فمن الله وما أصابك من سيئة فهي سيئة بالنسبة إليك حيث لا يلائم ما تقصده وتشتهيه وإن كانت في نفسها حسنة فإنما جرتها إليك نفسك باختيارها السيئ واستدعتها كذلك من الله فالله أجل من أن يبدأك بشر أو ضر.
والآية كما تقدم وإن كانت خصت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالخطاب لكن المعنى عام للجميع وبعبارة أخرى هذه (الآية) كالآيتين الأخريين ذلك بأن الله لم يك مغيرا) الآية وما أصابكم من مصيبة (الآية) متكفلة للخطاب الاجتماعي كتكفلها للخطاب الفردى فإن للمجتمع الإنساني كينونة إنسانية وإرادة واختيارا غير ما للفرد من ذلك.