وصيغة الجمع في قوله: {الذين يزعمون} مرَاد بها واحد.
وجيء باسم موصول الجماعة لأنّ المقام مقام توبيخ ، كقولهم: ما بَال أقوام يقولون كذا ، ليشمل المقصودَ ومن كان على شاكلته.
والزعم: خبر كاذبٌ ، أو مشوب بخطأ ، أو بحيث يتّهمه الناس بذلك ، فإنّ الأعشى لمّا قال يمدح قيساً بن معد يكرب الكندي:
ونُبِّئْتُ قَيْساً ولم أبْلُهُ...
كما زَعموا خَيْرَ أهل اليَمَنْ
غضب قيس وقال:"وما هو إلاّ الزعم"، وقال تعالى: {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا} [التغابن: 7] ، ويقول المحدّث عن حديث غريب فزعم فلان أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كذا ، أي لإلقاء العهدة على المخبر ، ومنه ما يقع في كتاب سيبويه من قوله زعم الخليل ، ولذلك قالوا: الزعم مطية الكذب.
ويستعمل الزعم في الخبر المحقّق بالقرينة ، كقوله:
زعم العواذل أنّني في غمرة...
صَدقوا ولكن غمرتي لا تنجلي
فقوله {صدقوا} هو القرينة ، ومضارعه مثلّث العَيْننِ ، والأفصح فيه الفتح.
وقد كان الذين أرادوا التحاكم إلى الطاغوت من المنافقين ، كما هو الظاهر ، فإطلاق الزعم على إيمانهم ظاهر.
وعطف قوله {وما أنزل من قبلك} لأنّ هؤلاء المنافقين كانوا من اليهود ، وقد دخل المعطوف في حَيّز الزعم فدلّ على أنّ إيمانهم بما أنزل من قبل لم يَكن مطّرداً ، فلذلك كان ادّعاؤهم ذلك زعمْا ، لانتفاء إيمانهم بالتوراة في أحوال كثيرة مثل هذا ، إذ لو كانوا يؤمنون بها حقّا ، لم يكونوا ليتحاكموا إلى الكهّان ، وشريعة موسى عليه السلام تحذّر منهم.
وقوله {يريدون} أي يحبّون محبّة تبعث على فعل المحبوب.