فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 107784 من 466147

يوجب عماه عنها، وأن ذلك عين النجاة، وحرام على من يجهل تاريخ الغابر وحالة

العصر الحاضر أن يقول: هذا شيء يضر الأمة، وهذا شيء ينفعها، وقد منينا

-والصبر بالله - بقوم جهلاء في ثياب علماء يغشون الأمة، ويغررون بها، توهمًا

أن كل من يقرأ تنازع العوامل في النحو يعلم تنازع الأمم، وكل من يعرف أحوال

تقديم المسند والمسند إليه وتأخيرهما يعرف أسباب تقدم الأمة وتأخرها، وكل من

تصدر للفتوى في مسائل الرضاع والطلاق وصحة الإجارة والسلم له أن يفتي في

صحة الشعوب من أمراضها، وإطلاقها من وثاقها، بل وقعنا في فوضوية الأفكار

والعلم، فصار كل فرد منا مِعنًّا مِفنًّا [1] ، ولا برهان يتوكأ عليه، ولا رئيس يرجع إليه.

سياسة السواد الأعظم منا اليوم هي كتمان الأمراض والسيئات، وإن انتهى

ذلك بالممات، وتكبير ما عساه يوجد من حسنة حتى تكون الحبة قبة والذرة جبلاً، بل

اختلاق الحسنات، والكذب فيها على الأحياء والأموات، لتسبح الأمة في بحر

الغرور إلى أن تهلك وتبور، وقد رأينا من سير الأمم الحية أن كتابها وخطباءها

يملأون الدنيا صراخًا وعويلاً إذا صدر من أمتهم سيئة، ويهولون أمر تلك السيئة بما

يزعجون به إلى إزالتها، وربما يخفون الحسنات، ولا سيما الاستعداد الحربي لما لا

يخفى من الأسباب.

(الوجه الثاني) : أن كل مما نكتبه في الانتقاد على خلفاء المسلمين وأمرائهم

وعلمائهم وأهل الطرق وجميع رجال الدين، غرضنا الأول به بيان براءة الدين

الإسلامي نفسه مما يرميه به أعداء المسلمين من الأوروبيين الذين يزعمون أن جميع

ما حل بهم من الضعف والضعة والظلم والاستبداد وفساد الأخلاق واختلال الأعمال

الذي يكاد يمحو سلطتهم من لوح البسيطة ويجعلهم أذل الشعوب وأفقرها - كل ذلك

ما حل بهم إلا بسبب دينهم، فهو الذي جر إليهم البلاء، وطوحهم في مهاوي الشقاء،

والحق أن هذا البلاء والشقاء ما جاءهم إلا من الانحراف عن الدين، وما كانت أمة

لتنحرف عن دينها دفعة واحدة، وإنما يكون ذلك بالتدريج، ينحرف الرؤساء

والأمراء فتؤوّل لهم العلماء - علماء السوء - فتتبعهم الدهماء، وهكذا كان شأن الذين

(1) أي عرّيضاً يدخل في كل ما يعنّ له ويخوض في كل فنّ يعرض له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت