قيل: يا رسول الله، وكيف يذل نفسه؟ قال يتعرض من البلاء لما لا يطيق».
(فصل)
وإذا كان للناس سلطان وألان جانبه لهم، فربما يدعو قوماً إلى طعامه، وربما يصل بعضهم بشيء من المال الذي في يده، فإن كره من يرغب في تأنيسه أو إفادته ذلك منه، فليعتذر، ولا ينقبض عنه إلا لإيثار من هو أحوج منه بما يعرض عليه.
فأما رد يده عليه تكرها لمخاطبته، أو تورعاً عن طعامه وغير ذلك مما في يده، فلا يجوز لأن نزاهته إن كانت بادية، فليس لأحد أن يلوثه، وإن كانت سراً بابها فليس له أن يجاهد بتظليمه أو بتحزيبه.
(فصل)
وإن عرض بعض أعماله على رجل وسأله أن يعينه بتقلده، فإن كان الرجل يعلم من نفسه الصلاح له ويبق منها بالأمانة والنزاهة، ولم يكن ذلك قاطعاً له على فرض، فقد يعين عليه.
فينبغي له أن يجيبه.
فإن لم يكن معه من صلح له ويخشى من امتناعه ضياع ذلك الأمر، فعليه أن يجيبه، فكذلك إن كان الأمر يتردد بينه وبين من يخش جانبه، ولا يوثق الثقة التامة، فينبغي أن يجيبه، وإن كان لا يثق من نفسه بالتماسك، فلا ينبغي له أن يتقلد عملاً بل يعتذر ويستعفي.
(فصل)
وإذا دعا الإمام رجلاً من أهل العلم أن يصحبه ليستعين برأيه في النوازل التي تنزل عليه أن يجيبه، إلا أن يكون له عذر بين يقعده عنه، وإن كان الإمام غير عدل فإنه يحضره ليكفه عن الظلم ولا يفسد على حكم يمضيه ولا صدقة يأخذها لأن ذلك ليس له من قول.
ويرى أن الفسق يناقض الإمامة، فإن كان الرجل يرى أنه على ما هو عليه من الفسق، أجابه في ذلك بما سأله عنه، وإن صح له من مال بيت المال شيئاً أو من مال نفسه وسعه أن يقبل فيه إذا كان عدلاً ولا يقبل منه مال بيت المال إذا لم يكن عدلاً لأنه ليس بوليه.
فإن كان يرى أنه وليه، ونافذ الأمر فيه فقبله، وهو من أهل الرأي والنظر لم يمنع وإن كان الرجل الذي يرغب الإمام في صحبته صاحب أوراد من العبادات ودرس العلم فكان ينقطع بالاختلاف إليه عن كثير من أوراده.
فإن كان في البيد من يصل الناس إلى حاجاتهم من العلم لأنه، وكان هذا إذا حضر الإمام، قبل الإمام قوله وتشفعه فيمن يتشفع له، وانتهى عما ينهاه عنه أو يوجب ذلك له في الأكثر، فليغشه وليلزم مجالسته للغوث والرحمة، إلا أن يخش أن ينس ما حفظ من القرآن أو دعاه من العلم.
فيسأل الإمام أن يخليه وقد يقرأ فيه ما شاء من القرآن، ولدرس ما بدا له من العلم، فإن أبى لم تكن عليه طاعته والله أعلم.